أن دعوا للرحمن ولدا . وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا . إن كل من في السماوات
والأرض إلا آتي الرحمن عبدا . لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة
فردا . إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن
شرح
الأثر في المحسوسات أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التي هي قوام العالم ما تنفطر منه وتنشق وتخر . وفى قوله - لقد
جئتم - وما فيه من المخاطبة بعد الغيبة وهو الذي يسمى الالتفات في علم البلاغة زيادة تسجيل عليهم بالجرأة على الله
والتعرض لسخطه وتنبيه على عظم ما قالوا ، في ( أن دعوا ) ثلاثة أوجه : أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في منه
كقوله :
على حالة لو أن في القوم حاتما * على جوده لضن بالماء حاتم
ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل : أي هدا لأن دعوا ، علل الحرور بالهد والهد بدعاء الولد
للرحمن . ومرفوعا بأنه فاعل هدا : أي هدها دعاء الولد للرحمن ، وفى اختصاص الرحمن وتكريره مرات من الفائدة
أنه هو الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره من قبل أن أصول النعم وفروعها منه ، خلق العالمين وخلق لهم جميع
ما معهم كما قال بعضهم : فلينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك غطاؤه ، فمن أضاف إليه ولدا فقد
جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن هو من دعا بمعنى سمى المتعدى إلى مفعولين ، فاقتصر
على أحدهما الذي هو الثاني طلبا للعموم والإحاطة بكل ما دعى له ولدا ، أو من دعا بمعنى نسب الذي مطاوعه ما في
قوله عليه الصلاة والسلام " من ادعى إلى غير مواليه " وقول الشاعر * إنا بنى نهشل لا ندعى لأب * أي لا ننتسب
إليه . انبغى مطاوع بغى إذا طلب : أي ما يتأتى له اتخاذ الولد وما ينطلب لو طلب مثلا لأنه محال غير داخل تحت
الصحة ، أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها ، وأما التبني فلا يكون إلا فيما هو من جنس المتبنى ، وليس
للقديم سبحانه جنس تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا ( من ) موصوفة لأنها وقعت بعد كل نكرة وقوعها بعد
رب في قوله : * رب من أنضجت غيظا صدره * وقرأ ابن مسعود وأبو حياة ( آت الرحمن ) على أصله قبل
الإضافة . الإحصاء الحصر والضبط : يعنى حصرهم بعلمه وأحاط بهم ( وعدهم هدا ) الذين اعتقدوا في الملائكة
وعيسى وعزير أنهم أولاد الله كانوا بين كفرين : أحدهما القول بأن الرحمن يصح أن يكون والدا . والثاني إشراك
الذين زعموهم لله أولادا في عبادته كما يخدم الناس أبناء الملوك خدمتهم لآبائهم ، فهدم الله الكفر الأول فيما تقدم
من الآيات ثم عقبه بهدم الكفر الآخر ، والمعنى : ما من معبود لهم في السماوات والأرض من الملائكة ومن الناس