فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا . ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف
أخرج حيا .
شرح
رب السماوات والأرض ( فاعبده ) كقوله * وقائلة خولان فانكح فتاتهم * وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون
- وما كان ربك نسيا - من كلام المتقين وما بعده من كلام رب العزة . فان قلت : هلا عدى ( اصطبر ) بعلى
التي هي صلته كقوله تعالى - واصطبر عليها - قلت : لأن العبادة جعلت بمنزلة القرن في قولك للمحارب اصطبر
لقرنك : أي أثبت له فيما يورد عليك من شداته ، أريد أن العبادة تورد عليك شدائد ومشاق فأثبت لها ولا تهن ،
ولا يضق صدرك عن إلقاء عداتك من أهل الكتاب إليك الأغاليط وعن احتباس الوحي عليك مدة وشماتة
المشركين بك : أي لم يسم شئ بالله قط وكانوا يقولون لأصنامهم آلهة والعزى إله ، وأما الذي عوض فيه الألف
واللام من الهمزة فمخصوص به المبعود الحق غير مشارك فيه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : لا يسمى أحد
الرحمن غيره . ووجه آخر هل تعلم من سمى باسمه على الحق دون الباطل لأن التسمية على الباطل في كونها غير معتد بها
كلا تسمية . وقيل مثلا وشبيها : أي إذا صح أن لا معبود يوجه إليه العباد العبادة إلا هو وحده لم يكن بد من
عبادته والاصطبار على مشاقها وتكاليفها . يحتمل أن يراد بالإنسان الجنس بأسره ، وأن يراد بعض الجنس وهم
الكفرة . فإن قلت : لم جازت إرادة الأناسي كلهم وكلهم غير قائلين ذلك ؟ قلت : لما كانت هذه المقالة
موجودة فيمن هو من جنسهم صح إسناده إلى جميعهم كما يقولون بنو فلان قتلوا فلانا وإنما القاتل رجل منهم ،
قال الفرزدق :
فسيف بنى عبس وقد ضربوا به * نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد
فقد أسند الضرب إلى بنى عبس مع قوله نبا بيدي وهو ورقاء بن زهير بن جذيمة العبسي : فإن قلت : بم
انتصب إذا وانتصابه بأخرج ممتنع لأجل اللام لا تقول اليوم لزيد قائم . قلت : بفعل مضمر يدل عليه المذكور .
فإن قلت : لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطى معنى الحال فكيف جامعت حرف الاستقبال ؟ قلت : لم
تجامعها إلا مخلصة للتوكيد كما أخلصت الهمزة في يا الله للتعويض واضمحل عنها معنى التعريف ، وما في إذا ما
للتوكيد أيضا فكأنهم قالوا : أحقا أنا سنخرج أحياء حين يتمكن فينا الموت والهلاك ؟ على وجه الاستنكار
والاستبعاد . والمراد الخروج من الأرض أو من حال الفناء ، أو هو من قولهم خرج فلان عالما وخرج شجاعا إذا
كان نادرا في ذلك ، يريد سأخرج حيا نادرا على سبيل الهزؤ . وقرأ الحسن وأبو حياة لسوف أخرج . وعن طلحة
ابن مصرف رضي الله عنه لسأخرج كقراءة ابن مسعود رضي الله عنه ولسيعطيك ، وتقديم الظرف وإيلاؤه حرف
الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ، ومنه جاء إنكارهم فهو كقولك للمسئ إلى المحسن :