نورث من عبادنا من كان تقيا . وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا
وما بين ذلك وما كان ربك نسيا . رب السماوات والأرض وما بينهما
شرح
وبكرة وعشيا تريد الديمومة ولا تقصد الوقتين المعلومين ( نورث ) وقرئ نورث استعارة : أي نبقى عليه الجنة
كما نبقى على الوارث مال المورث ، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهى
الجنة ، فإذا أدخلهم الجنة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى . وقيل أورثوا من الجنة
المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا ( وما نتنزل ) حكاية قول جبريل صلوات الله عليه حين استبطأه رسول
الله صلى الله عليه وسلم . روى أنه احتبس أربعين يوما ، وقيل خمسة عشر يوما وذلك حين سئل عن قصة أصحاب
الكهف وذي القرنين والروح ، فلم يدر كيف يجيب ورجى أن يوحى إليه فيه فشق ذلك عليه مشقة شديدة
وقال المشركون : ودعه ربه وقلاه ، فلما نزل جبريل عليه السلام قال له النبي صلى الله عليه وسلم : أبطأت حتى
ساء ظني واشتقت إليك ، قال : إني كنت أشوق ولكني عبد مأمور ، إذا بعثت نزلت وإذا حبست احتبست ،
وأنزل الله سبحانه هذه الآية وسورة الضحى . والتنزل على معنيين : معنى النزول على مهل ، ومعنى النزول على
الإطلاق كقوله :
فلست لإنسي ولكن لملأك * تنزل من جو السماء يصوب
لأنه مطاوع نزل ، ونزل يكون بمعنى أنزل وبمعنى التدريج ، واللائق بهذا الموضع هو النزول على مهل ، والمراد
أن نزولنا في الأحايين وقتا غب وقت ليس إلا بأمر الله وعلى ما يراه صوابا وحكمة وله ما قدامنا ( وما خلفنا ) من
الجهات والأماكن ( وما بين ذلك ) وما نحن فيها فلا نتمالك أن ننتقل من جهة إلى جهة ومكان إلى مكان إلا بأمر
المليك ومشيئته ، وهو الحافظ العالم بكل حركة وسكون وما يحدث ويتجدد من الأحوال لا يجوز عليه الغفلة
والنسيان ، فأنى لنا أن نتقلب في ملكوته إلا إذا رأى ذلك مصلحة وحكمة وأطلق لنا الإذن فيه . وقيل ما سلف من
أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة وما بين ذلك النفختين وهو أربعون سنة . وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر
منها والحال التي نحن فيها . وقيل ما قبل وجودنا وما بعد فنائنا . وقيل الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي
وراءنا وما بين السماء والأرض . والمعنى : أنه المحيط بكل شئ لا تخفى عليه خافية ولا يعزب عنه مثقال ذرة
فكيف نقدم على فعل نحدثه إلا صادرا عما توجبه حكمته ويأمرنا به ويأذن لنا فيه . وقيل معنى ( وما كان ربك
نسيا ) وما كان تاركا لك كقوله تعالى - ما ودعك ربك وما قلا - أي ما كان امتناع النزول إلا لامتناع الأمر به ،
وأما احتباس الوحي فلم يكن عن ترك الله لك وتوديعه إياك ولكن لتوقفه على المصلحة . وقيل هي حكاية قول
المتقين حين يدخلون الجنة : أي وما ننزل الجنة إلا بأن من الله علينا بثواب أعمالنا وأمرنا بدخولها ، وهو المالك
لرقاب الأمور كلها السالفة والمترقبة والحاضرة ، اللاطف في أعمال الخير والموفق لها والمجازى عليها ، ثم قال الله
تعالى تقريرا لقولهم : وما كان ربك نسيا لأعمال العاملين غافلا عما يجب أن يثابوا به ، وكيف بحوز النسيان والغفلة
على ذي ملكوت السماء والأرض وما بينهما . ثم قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : فحين عرفته على هذه الصفة فاقبل
على العمل واعبده يثبك كما أثاب غيرك من المتقين . وقرأ الأعرج رضي الله عنه : وما يتنزل بالياء على الحكاية
عن جبريل عليه السلام والضمير للوحي . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : إلا بقول ربك . يجب أن يكون الخلاف
في النسي مثله في البغى ( رب السماوات والأرض ) بدل من ربك ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف : أي هو