ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا . واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق
الوعد وكان رسولا نبيا . وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا
واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا . ورفعناه مكانا عليا .
شرح
يطلق باليد وهى العطية ، قال * إني أتتني لسان لا أسر بها * يريد الرسالة ، ولسان العرب لغتهم وكلامهم ،
استجاب الله دعوته - واجعل لي لسان صدق في الآخرين - فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم ، وقال عز
وجل - ملة أبيكم إبراهيم - و - ملة إبراهيم حنيفا - ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا - وأعطى ذلك ذريته
فأعلى ذكرهم وأثنى عليهم كما أعلى ذكره وأثنى عليه . المخلص بالكسر الذي أخلص العبادة عن الشرك والرياء أو
أخلص نفسه وأسلم وجهه لله ، وبالفتح الذي أخلصه الله . الرسول : الذي معه كتاب من الأنبياء . والنبي : الذي
ينبئ عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب كيوشع . الأيمن من اليمين : أي من ناحيته اليمنى ، أو من اليمن
صفة للطور أو للجانب . شبهه بمن قربه بعض العظماء للمناجاة حيث كلمه بغير واسطة ملك . وعن أبي العالية
قربة حتى سمع صريف القلم الذي كتبت به التوراة ( من رحمتنا ) من أجل رحمتنا له وترأفنا عليه وهبنا له هارون أو
بعض رحمتنا كما في قوله - ووهبنا له من رحتمنا - وأخاه على هذا الوجه بدل وهارون عطف بيان كقولك رأيت
رجلا أخاك زيدا . وكان هارون أكبر من موسى فوقعت الهبة على معاضدته وموازرته ، كذا عن ابن عباس
رضي الله عنه . ذكر إسماعيل عليه السلام بصدق الوعد وإن كان ذلك موجودا في غيره من الأنبياء تشريفا له
وإكراما كالتقليب بنحو الحليم والأواه والصديق ولأنه المشهور المتواصف من خصاله . عن ابن عباس رضي الله عنه
" أنه وعد صاحبا له أن ينتظره في مكان فانتظره سنة " وناهيك أنه وعد من نفسه الصبر على الذبح فوفى حيث
قال - ستجدني إن شاء الله من الصابرين - كان يبدأ في أهله في الأمر بالصلاح والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم
ولأنهم أولى من سائر الناس - وأنذر عشيرتك الأقربين - وأمر أهلك بالصلاة - قوا أنفسكم وأهليكم نارا - ألا
ترى أنهم أحق بالتصدق عليهم فالإحسان الديني أولى . وقيل أهله أمته كلهم من القرابة وغيرهم ، لأن أمم النبيين
في عداد أهاليهم ، وفيه أن من حق الصالح أن لا يألو نصحا للأجانب فضلا عن الأقارب والمتصلين به ، وأن
يحظيهم بالفوائد الدينية ولا يفرط في شئ من ذلك . قيل سمى إدريس لكثرة دراسته كتاب الله عز وجل وكان
اسمه أخنوخ وهو غير صحيح ، لأنه لو كان إفعيلا من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية فكان منصرفا
فامتناعه من الصرف دليل العجمة ، وكذلك إبليس أعجمي وليس من الإبلاس كما يزعمون ، ولا يعقوب من
العقب ولا إسرائيل بإسرال كما زعم ابن السكيت ، ومن لم يحقق ولم يتدرب بالصناعة كثرت منه أمثال هذه الهنات .
ويجوز أن يكون معنى إدريس في تلك اللغة قريبا من ذلك فحسآبه الراوي مشتقا من الدرس . المكان العلى شرف
النبوة والزلفى عند الله وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة ، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب
وأول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود . وعن أنس بن مالك رضي الله عنه يرفعه " أنه رفع إلى السماء
الرابعة " وعن ابن عباس رضي الله عنهما إلى السماء السادسة ، وعن الحسن رضي الله عنه إلى الجنة لا شئ أعلى من
الجنة . وعن النابغة الجعدي أنه لما أنشد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الشعر الذي آخره :