قال سلام عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بي حفيا . وأعتزلكم وما تدعون
من دون الله وأدعو ربى عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا . فلما اعتزلهم وما يعبدون
من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا . ووهبنا لهم من رحمتنا
وجعلنا لهم لسان صدق عليا . واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا
نبيا . وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا .
شرح
( قال سلام عليك ) سلام توديع ومتاركة كقوله تعالى - لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين - وقوله
- وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما - وهذا دليل على جواز متاركة المنصوح والحال هذه . ويجوز أن يكون قد
دعا له بالسلامة استمالة له ، ألا ترى أنه وعده الاستغفار . فإن قلت : كيف جاز له أن يستغفر للكافر وأن يعده
ذلك ؟ قلت : قالوا أراد اشتراط التوبة عن الكفر كما ترد الأوامر والنواهي الشرعية على الكفار ، والمراد اشتراط
الإيمان ، وكما يؤمر المحدث والفقير بالصلاة والزكاة ويراد اشتراط الوضوء والنصاب ، وقالوا إنما استغفر له
بقوله - واغفر لأبى إنه كان من الضالين - لأنه وعده أن يؤمن ، واستشهدوا عليه بقوله تعالى - وما كان استغفار إبراهيم
لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه - ولقائل أن يقول : الذي منع من الاستغفار للكافر إنما هو السمع ، فأما القضية
العقلية فلا تأباه ، فيجوز أن يكون الوعد بالاستغفار والوفاء به قبل ورود السمع بناء على قضية العقل ، والذي
يدل على صحته قوله تعالى - إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك - فلو كان شارطا للإيمان لم يكن مستنكرا ومستثنى
عما وجبت فيه الأسوة وأما عن موعدة وعدها إياه فالواعد هو إبراهيم لا آزر : أي ما قال : واغفر لأبى إلا عن
قوله - لأستغفرن لك - وتشهد له قراءة حماد الرواية وعدها أباه والله أعلم ( حفيا ) الحفى البليغ في البر والألطاف
حفى به وتحفى به ( وأعتزلكم ) أراد بالاعتزال المهاجرة إلى الشأم . المراد بالدعاء للعبادة لأنه منها ومن وسائطها ،
منه قوله صلى الله عليه وسلم " الدعاء هو العبادة " ويدل عليه قوله تعالى - فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله -
ويجوز أن يراد الدعاء الذي حكاه الله في سورة الشعراء عرض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم في قوله ( عسى أن لا أكون
بدعاء ربى شقيا ) مع التواضع لله بكلمة عسى وما فيه من هضم النفس . ما خسر على الله أحد ترك الكفار الفسقة
لوجهه فعوضه أولادا مؤمنين أنبياء ( من رحمتنا ) هي النبوة عن الحسن . وعن الكلبي المال والولد ، وتكون عامة
في كل خير ديني ودنيوي أوتوه . لسان الصدق : الثناء الحسن ، وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما عبر باليد عما