دون الله وما كان منتصرا . هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا . واضرب
لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح
هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا . المال والبنون زينة الحياة الدنيا
والباقيات الصالحات
شرح
دون الله ) ؟ قلت : معناه يقدرون على نصرته من دون الله : أي هو وحده القادر على نصرته لا يقدر أحد غيره أن
ينصره ، إلا أنه لم ينصره لصارف وهو استيجابه أن يخذل ( وما كان منتصرا ) وما كانت ممتنعا بقوته عن انتقام الله
( الولاية ) بالفتح النصرة والتولي ، وبالكسر السلطان والملك وقد قرئ بهما ، والمعنى هنالك : أي في ذلك المقام
وتلك الحال النصرة لله وحده لا يملكها غيره ولا يستطيعها أحد سواه تقريرا لقوله - ولم يكن له فئة ينصرونه من دون
الله - أو هنالك السلطان والملك لله لا يغلب ولا يمتنع منه ، أو في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل
مضطر : يعنى أن قوله - يا ليتني لم أشرك بربى أحدا - كلمة ألجئ إليها فقالها جزعا مما دهاه من شؤم كفره ولولا
ذلك لم يقلها . ويجوز أن يكون المعنى : هنالك الولاية لله ينصر فيها أولياءه المؤمنين على الكفرة وينتقم لهم ويشفى
صدورهم من أعدائهم : يعنى أنه نصر فيما فعل بالكافر أخاه المؤمن وصدق قوله - عسى ربى أن يؤتين خيرا من
جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء - ويعضده قوله ( خير ثوابا وخير عقبا ) أي لأوليائه ، وقيل هنالك إشارة
إلى الآخرة : أي في تلك الدار الولاية لله كقوله - لمن الملك - وقرئ الحق بالرفع والجر صفة للولاية ولله .
وقرأ عمرو بن عبيد بالنصب على التأكيد كقولك هذا عبد الله الحق لا الباطل وهى قراءة حسنة فصيحة ، وكان
عمرو بن عبيد من أفصح الناس وأنصحهم . وقرئ عقبا بضم القاف وسكونها وعقبى على فعلى وكلها بمعنى العاقبة
( فاختلط به نبات الأرض ) فالتف بسببه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضا . وقيل نجع في النبات الماء فاختلط به
حتى روى ورف رفيفا ، وكان حق اللفظ على هذا التفسير فاختلط بنبات الأرض . ووجه صحته أن كل مختلطين
موصوف كل واحد منهما بصفة صاحبه . والهشيم ما تهشم وتحطم الواحدة هشيمة . وقرئ : تذروه الريح . وعن
ابن عباس : تذريه الرياح من أذرى ، شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك والفناء بحال النبات
يكون أخضر وارفا ثم يهيج فتطيره الرياح كأن لم يكن ( وكان الله على كل شئ ) ما الإنشاء والإفناء ( مقتدرا .
الباقيات الصالحات ) أعمال الخير التي تبقى ثمرتها للإنسان وتفنى عنه كل ما تطمح إليه نفسه من حظوظ الدنيا ،