أحصى لما لبثوا أمدا . نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم
وزدناهم هدى . وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن
ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا . هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا .
شرح
لبثهم لأنهم لما انتبهوا اختلفوا في ذلك ، وذلك قوله - قال قائل منهم كم لبثتم ؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا
ربكم أعلم بما لبثتم - وكان الذين قالوا ربكم أعلم بما لبثتم هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول ، أو أي الحزبين
المختلفين من غيرهم ، و ( أحصى ) فعل ماض أي أيهم أضبط ( أمدا ) لأوقات لبثهم . فإن قلت : فما تقول فيمن
جعله من أفعل التفضيل ؟ قلت : ليست بالوجه السديد ، وذلك أن بناءه من غير الثلاثي المجرد ليس بقياس ، ونحو
أعدى من الحرب وأفلس من ابن المذلق شاذ ، والقياس على الشاذ في غير القرآن ممتنع فكيف به ؟ ولأن أمدا
لا يخلو إما أن ينتصب بأفعل فأفعل لا يعمل ، وإما أن ينصب بلبثوا فلا يسد عليه المعنى ، فإن زعمت أنى أنصبه
بإضمار فعل يدل عليه أحصى كما أضمر في قوله * وأضرب منا بالسيوف القوانسا * على نضرب القوانس
فقد أبعدت المتناول وهو قريب حيث أبيت أن يكون أحصى فعلا ثم رجعت مضطرا إلى تقديره وإضماره . فإن
قلت : كيف جعل الله تعالى العلم بإحصائهم المدة غرضا في الضرب على آذانهم ؟ قلت : الله عز وجل لم يزل
عالما بذلك ، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور الأمر له ليزدادوا إيمانا واعتبارا ، ويكون لطفا لمؤمني زمانهم
وآية بينة لكفاره ( وزدناهم هدى ) بالتوفيق والتثبيت ( وربطنا على قلوبهم ) وقويناها بالصبر على هجر الأوطان
والنعيم والفرار بالدين إلى بعض الغيران وجسرناهم على القيام بكلمة الحق والتظاهر بالإسلام ( إذ قاموا ) بين يدي
الجبار وهو دقيانوس من غير مبالاة به حين عاتبهم على ترك عبادة الصنم ( فقالوا ربنا رب السماوات والأرض -
شططا ) قولا ذا شطط وهو الإفراط في الظلم والإبعاد فيه من شط إذا بعد ، ومنه أشط في السوم وفى غيره ( هؤلاء )
مبتدأ ، و ( قومنا ) عطف بيان ، و ( اتخذوا ) خبر وهو إخبار في معنى إنكار ( لولا يأتون عليهم ) هلا يأتون على
عبادتهم فحذف المضاف ( بسلطان بين ) وهو تبكيت لأن الإتيان بالسلطان على عبادة الأوثان محال وهو دليل على
فساد التقليد ، وأنه لابد في الدين من الحجة حتى يصح ويثبت ( افترى على الله كذبا ) بنسبة الشريك إليه