كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها . ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة
ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا أفأصفاكم ربكم بالبنين
واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما . ولقد صرفنا في هذا القرآن
ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا . قل لو كان معه آلهة كما تقولون إذا
شرح
المصاحف وسيئات ، وفي قراءة أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان شأنه . فإن قلت : كيف قيل سيئة مع قوله
مكروها ؟ قلت : السيئة في حكم الأسماء بمنزلة الذنب والإثم زال عنه حكم الصفات فلا اعتبار بتأنيثه ، ولا فرق
بين من قرأ سيئة وسيئا ، ألا تراك تقول : الزنى سيئة كما تقول السرقة سيئة ، فلا تفرق بين إسنادها إلى مذكر
ومؤنث . فإن قلت : فما ذكر من الخصال بعضها سئ وبعضها حسن ، ولذلك قرأ من قرأ سيئه بالإضافة فما وجه
من قرأ سيئة ؟ قلت : كل ذلك إحاطة بما نهى عنه خاصة لا بجميع الخصال المعدودة ( ذلك ) إشارة إلى ما تقدم من
قوله - لا تجعل مع الله إلها آخر - إلى هذه الغاية . وسماه حكمة لأنه كلام محكم لا مدخل فيه للفساد بوجه . وعن ابن
عباس : هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى ألها - لا تجعل مع الله إلها آخر - قال الله تعالى - وكتبنا له في
الألواح من كل شئ موعظة - وهي عشر آيات في التوراة ، ولقد جعل الله فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك لأن
التوحيد هو رأس كل حكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه حكمه وعلومه وإن بذ فيها الحكماء وحك بيافوخه
السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم وهم عن دين الله أضل من النعم ( أفأصفاكم ) خطاب للذين قالوا
الملائكة بنات الله والهمزة للإنكار : يعني أفخصكم ربكم على وجه الخلوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون
لم يجعل فيهم نصيبا لنفسه ، واتخذ أدونهم وهي البنات ، وهذا خلاف الحكمة وما عليه معقولكم وعادتكم ، فإن
العبيد لا يؤثرون بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب ويكون أردؤها وأدونها للسادات ( إنكم لتقولون قولا عظيما )
بإضافتكم إليه الأولاد وهي خاصة بالأجسام ، ثم إنكم تفضلون عليه أنفسكم حيث تجعلون له ما تكرهون ، ثم
بأن تجعلوا الملائكة وهم أعلى خلق الله وأشرفهم أدون خلق الله وهم الإناث ( ولقد صرفنا في هذا القرآن ) يجوز أن
يريد بهذا القرآن إبطال إضافتهم إلى الله البنات لأنه مما صرفه وكرر ذكره ، والمعنى : ولقد صرفنا القول في هذا
المعنى وأوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكانا للتكرير . ويجوز أن يشير بهذا القرآن إلى التنزيل ويريد : ولقد صرفنا :
يعني هذا المعنى في مواضع التنزيل ، فترك الضمير لأنه معلوم ، وقرئ صرفنا بالتخفيف وكذلك ( ليذكروا )
قرئ مشددا ومخففا : أي كررناه ليتعظوا ويعتبروا ويطمئنوا إلى ما يحتج به عليهم ، ف ( ما يزيدهم إلا نفورا ) عن
الحق وقلة طمأنينة إليه . وعن سفيان : كان إذا قرأها قال : زادني لك خضوعا ما زاد أعداءك نفورا . قرئ كما
تقولون بالتاء والياء ، و ( إذا ) دالة على أن ما بعدها وهو لابتغوا جواب عن مقالة المشركين وجزاء للو ، ومعنى