تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين . ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعمله بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين . إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم . إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون . من كفر
شرح
وقرئ بضم الدال وسكونها ( بالحق ) في موضع الحال أي : نزله متلبسا بالحكمة : يعني أن النسخ من جملة الحق ( ليثبت الذين آمنوا ) ليبلوهم بالنسخ حتى إذا قالوا فيه هو الحق من ربنا والحكمة ، حكم لهم بثبات القدم وصحة اليقين وطمأنينة القلوب ، على أن الله حكيم فلا يفعل إلا ما هو حكمة وصاب ( وهدى وبشرى ) مفعول لهما معطوفان على محل ليثبت ، والتقدير : تثبيتا لهم وإرشادا وبشارة ، وفيه تعريض بحصول أضداد هذه الخصال لغيرهم . وقرئ ليثبت بالتخفيف . أرادوا بالبشر غلاما كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه اسمه عائش أو يعيش وكان صاحب كتب . وقيل هو جبر غلام رومي كان لعامر بن الحضرمي . وقيل عبدان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف بمكة ويقرآن التوراة والإنجيل ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر وقف عليهما يسمع ما يقرآن ، فقالوا يعلمانه ، فقيل لأحدهما فقال : بل هو يعلمني . وقيل هو سلمان الفارسي . واللسان اللغة . يقال ألحد القبر ولحده وهو ملحد وملحود : إذا أمال حفره عن الاستقامة فحفر في شق منه ، ثم أستعير لكل إمالة عن استقامة فقالوا : ألحد فلان في قوله وألحد في دينه ، ومنه الملحد لأنه أمال مذهبه عن الأديان كلها لم يمله عن دين إلى دين . والمعنى : لسان الرجل الذي يميلون قولهم عن الاستقامة إليه لسان ( أعجمي ) غير بين ( وهذا ) القرآن ( لسان عربي مبين ) ذو بيان وفصاحة ردا لقولهم وإبطالا لطعنهم . وقرئ يلحدون بفتح الياء والحاء . وفي قراءة الحسن اللسان الذي يلحدون إليه بتعريف اللسان . فإن قلت : الجملة التي هي قوله - لسان الذي يلحدون إليه أعجمي - ما محلها ؟ قلت : لا محل لها لأنها مستأنفة جواب لقولهم ومثله قوله - الله أعلم حيث يجعل رسالته - بعد قوله - وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله - ( إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ) أي يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون ( لا يهديهم الله ) لا يلطف بهم لأنهم من أهل الخذلان في الدينا والعذاب في الآخرة لا من أهل اللطف والثواب ( إنما يفتري الكذب ) رد لقولهم - إنما أنت مفتر - يعني إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن لأنه لا يترقب عقابا عليه ( وأولئك ) إشارة إلى قريش ( هم الكاذبون ) أي هم الذين لا يؤمنون فهم الكاذبون ، أو إلى الذين لا يؤمنون : أي أولئك هم الكاذبون على الحقيقة الكاملون في الكذب ، لأن تكذيب آيات الله أعظم الكذب ، أو أولاءك هم الذين عادتهم الكذب لا يبالون به في كل شئ لا تحجبهم عنه مروءة ولا دين ، أو أولئك هم الكاذبون في قولهم إنما أنت مفتر ( من كفر ) بدل الذين لا يؤمنون بآيات الله على أن يجعل - وأولئك هم الكاذبون - اعتراضا بين البدل والمبدل منه ، والمعنى : إنما يفتري الكذب من كفر بالله من بعد