تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
لغفور رحيم . يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون . وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف
شرح
الهجرة والجهاد والصبر ( يوم تأتي ) منصوب برحيم أو بإضمار أذكر . فإن قلت : ما معنى النفس المضافة إلى النفس ؟ قلت : يقال لعين الشئ وذاته نفسه . وفي نقيضه غيره والنفس الجملة كما هي ، فالنفس الأولى هي الجملة والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كل يقول نفسي نفسي . ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقوله - هؤلاء أضلونا - ما كنا مشركين - ونحو ذلك ( وضرب الله مثلا قرية ) أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم نقمته ، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها ( مطمئنة ) لا يزعجها خوف لأن الطمأنينة مع الأمن والانزعاج والقلق مع الخوف ( رغدا ) واسعا . والأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع نعم كبؤس وأبؤس ، وفي الحديث " نادى منادي النبي الله صلى الله عليه وسلم بالموسم بمنى : إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا " . فإن قلت : الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه . قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقولون ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب ، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع ، وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل : فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف ، ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما ، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما : أحدهما أن ينظروا فيه إلى المستعار له كما نظر إليه ههنا ونحوه قول كثير : غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه بالغمر الذي هو مصف