لغفور رحيم . يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم
لا يظلمون . وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان
فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف
شرح
الهجرة والجهاد والصبر ( يوم تأتي ) منصوب برحيم أو بإضمار أذكر . فإن قلت : ما معنى النفس المضافة إلى
النفس ؟ قلت : يقال لعين الشئ وذاته نفسه . وفي نقيضه غيره والنفس الجملة كما هي ، فالنفس الأولى هي
الجملة والثانية عينها وذاتها فكأنه قيل : يوم يأتي كل إنسان يجادل عن ذاته لا يهمه شأن غيره كل يقول نفسي
نفسي . ومعنى المجادلة عنها الاعتذار عنها كقوله - هؤلاء أضلونا - ما كنا مشركين - ونحو ذلك ( وضرب الله مثلا
قرية ) أي جعل القرية التي هذه حالها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة فكفروا وتولوا فأنزل الله بهم
نقمته ، فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفة ، وأن تكون في قرى الأولين قرية كانت هذه حالها فضربها
الله مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها ( مطمئنة ) لا يزعجها خوف لأن الطمأنينة مع الأمن والانزعاج والقلق مع
الخوف ( رغدا ) واسعا . والأنعم جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدرع وأدرع أو جمع نعم كبؤس وأبؤس ،
وفي الحديث " نادى منادي النبي الله صلى الله عليه وسلم بالموسم بمنى : إنها أيام طعم ونعم فلا تصوموا " . فإن قلت :
الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار فما وجه صحة إيقاعها عليه .
قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها فيقولون ذاق
فلان البؤس والضر وأذاقه العذاب ، شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من طعم المر والبشع ، وأما اللباس
فقد شبه به لاشتماله على اللابس ما غشي الإنسان والتبس به من بعض الحوادث ، وأما إيقاع الإذاقة على لباس
الجوع والخوف فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس فكأنه قيل : فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف ،
ولهم في نحو هذا طريقان لا بد من الإحاطة بهما ، فإن الاستنكار لا يقع إلا لمن فقدهما : أحدهما أن ينظروا فيه إلى
المستعار له كما نظر إليه ههنا ونحوه قول كثير :
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا * غلقت لضحكته رقاب المال
استعار الرداء للمعروف لأنه يصون عرض صاحبه صون الرداء لما يلقى عليه ووصفه بالغمر الذي هو مصف