فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم . إنه ليس له سلطان على الذين
آمنوا وعلى ربهم يتوكلون . إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به
مشركون . وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر
بل أكثرهم لا يعلمون . قل نزله روح القدس
شرح
موسرا فالحرص لا يدعه أن يتهنأ بعيشه . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : الحياة الطيبة الرزق الحلال . وعن
الحسن القناعة ، وعن قتادة : يعني الجنة . وقيل هي حلاوة الطاعة والتوفيق في قلبه . لما ذكر العمل الصالح
ووعد عليه وصل به قوله ( فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله ) إيذانا بأن الاستعاذة من جملة الأعمال الصالحة التي يجزل
الله عليها الثواب . والمعنى : فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ كقوله - إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم -
وكقولك : إذا أكلت فسم الله . فإن قلت : لم عبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل ؟ قلت : لأن الفعل يوجد عند
القصد والإرادة بغير فاصل وعلى حسبه فكان منه بسبب قوي وملابسة ظاهرة ، وعن عبد الله بن مسعود رضي
الله عنه " قرأت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ، فقال لي :
يا ابن أم عبد قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، هكذا أقرأنيه جبريل عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ "
( ليس له سلطان ) أي تسلط وولاية على أولياء الله : يعني أنهم لا يقبلون منه ولا يطيعونه فيما يريد منهم من اتباع
خطواته ( إنما سلطانه ) على من يتولاه ويطيعه ( به مشركون ) الضمير يرجع إلى ربهم ، ويجوز أن يرجع إلى
الشيطان على معنى بسببه وغروره ووسوسته . تبديل الآية مكان الآية هو النسخ ، والله تعالى ينسخ الشرائع بالشرائع لأنها
مصالح ، وما كان مصلحة أمس يجوز أن يكون مفسدة اليوم وخلافه مصلحة . والله تعالى عالم بالمصالح والمفاسد
فيثبت ما يشاء وينسخ ما يشاء بحكمته وهذا معنى قوله ( والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ) وجدوا مدخلا
للطعن فطعنوا وذلك لجهلهم وبعدهم عن العلم بالناسخ والمنسوخ ، وكانوا يقولون : إن محمدا يسخر من أصحابه ،
يأمرهم اليوم بأمر وينهاهم عنه غدا فيأتيهم بما هو أهون ، ولقد افتروا فقد كان ينسخ الأشق بالأهون والأهون
بالأشق والأهون بالأهون والأشق بالأشق لأن الغرض المصلحة لا الهوان والمشقة . فإن قلت : هل في ذكر تبديل
الآية بالآية دليل على أن القرآن إنما ينسخ بمثله ولا يصح بغيره من السنة والإجماع والقياس ؟ قلت : فيه أن قرآنا
ينسخ بمثله وليس فيه نفي نسخه بغيره ، على أن السنة المكشوفة المتواترة مثل القرآن في إيجاب العلم فنسخه بها كنسخه
بمثله . وأما الإجماع والقياس والسنة غير المقطوع بها فلا يصح نسخ القرآن بها . في ينزل ونزله وما فيهما من التنزيل
شيئا فشيئا على حسب الحوادث والمصالح إشارة إلى أن التبديل من باب المصالح كالتنزيل ، وأن ترك النسخ بمنزلة
إنزاله دفعة واحدة في خروجه عن الحكمة و ( روح القدس ) جبريل عليه السلام أضيف إلى القدس وهو الطهر
كما يقال حاتم الجود وزيد الخير ، والمراد الروح المقدس وحاتم الجواد وزيد الخير . والمقدس المطهر من المآثم .