هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين . لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون . فأخذتهم
الصيحة مشرقين . فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل . إن في
ذلك لآيات للمتوسمين . وإنها لبسبيل مقيم . إن في ذلك لآية للمؤمنين . وإن
كان أصحاب الأيكة لظالمين . فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين . ولقد كذب
أصحاب الحجر المرسلين . وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين . وكانوا ينحتون
من الجبال بيوتا آمنين . فأخذتهم الصيحة مصبحين . فما أغنى عنهم
شرح
وقيل عن ضيافة الناس وإنزالهم وكانوا نهوه أن يضيف أحدا قط ( هؤلاء بناتي ) إشارة إلى النساء ، لأن كل أمة
أولاد نبيها رجالهم بنوه ونساؤهم بناته ، فكأنه قال لهم : هؤلاء بناتي فانكحوهن وخلوا بني فلا تتعرضوا لهم ( إن
كنتم فاعلين ) شك في قبولهم لقوله كأنه قال : فإن فعلتم ما أقول لكم وما أظنكم تفعلون . وقيل إن كنتم تريدون
قضاء الشهوة وفيما أحل الله دون ما حرم ( لعمرك ) على إرادة القول : أي قالت الملائكة للوط عليه السلام لعمرك
( إنهم لفي سكرتهم ) أي غوايتهم التي أذهبت عقولهم وتمييزهم بين الخطأ الذي هم عليه وبين الصواب الذي تشير
به عليهم من ترك البنين إلى البنات ( يعمهون ) يتحيرون فكيف يقبلون قولك ويصغون إلى نصيحتك . وقيل
الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه أقسم بحياته وما أقسم بحياة أحد قط كرامة له ، والعمر والعمر واحد
إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لإيثار الأخف فيه ، وذلك لأن الحلف كثير الدور على ألسنتهم ، ولذلك حذفوا
الخبر وتقديره : لعمرك مما أقسم به ، كما حذفوا الفعل في قولك بالله . وقرئ في سكرهم وفي سكرانهم ( الصيحة )
صيحة جبريل عليه السلام ( مشرقين ) داخلين في الشروق وهو بزوغ الشمس ( من سجيل ) قيل من طين عليه
كتاب من السجل ودليله قوله تعالى - حجارة من طين مسومة عند ربك - أي معلمة بكتاب ( للمتوسمين )
للمتفرسين المتأملين وحقيقة المتوسمين النظار المتثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشئ ، يقال توسمت في
فلان كذا : أي عرفت وسمه فيه . والضمير في عاليها وسافلها ، لقرى قوم لوط ( وإنها ) وإن هذه القرى : يعني
آثارها ( لبسبيل مقيم ) ثابت يسكله الناس لم يندرس بعد وهم يبصرون تلك الآثار ، وهو تنبيه لقريش كقوله
- وإنكم لتمرون عليهم مصبحين - ( أصحاب الأيكة ) قوم شعيب ( وإنهما ) يعني قرى قوم لوط والأيكة . وقيل
الضمير للأيكة ومدين لأن شعيبا كان مبعوثا إليهما ، فلما ذكر الأيكة دل بذكرها على مدين فجاء بضميرهما
( لبإمام مبين ) لبطريق واضح ، والإمام اسم لما يؤتم به فسمي به الطريق ومطمر البناء واللوح الذي يكتب فيه
لأنها مما يؤتم به ( أصحاب الحجر ) ثمود ، والحجر واديهم ، وهو بين المدينة والشأم ( المرسلين ) يعني بتكذيبهم
صالحا ، لأن من كذب واحدا منهم فكأنما كذبهم جميعا ، أو أراد صالحا ومن معه من المؤمنين ، كما قيل الخبيبون
في ابن الزبير وأصحابه . وعن جابر " مررنا مع النبي صلى الله عليه وسلم على الحجر فقال لنا : لا تدخلوا مساكن
الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذرا أن يصيبكم مثل ما أصاب هؤلاء ، ثم زجر النبي صلى الله عليه
وسلم راحلته فأسرع حتى خلفها " ( آمنين ) لوثاقة البيوت واستحكامها من أن تتهدم ويتداعى بنيانها ومن نقب