تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون . وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين . وجا أهل المدينة يستبشرون . قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون . واتقوا الله ولا تخزون . قالوا أو لم ننهك عن العالمين . قال
شرح
وقيل هو بعد ما يمضي شئ صالح من الليل . فإن قلت : ما معنى أمره باتباع أدبارهم ونهيهم عن الالتفات ؟ قلت : قد بعث الله الهلاك على قومه ونجاه وأهله إجابة لدعوته عليهم ، وخرج مهاجرا فلم يكن له بد من الاجتهاد في شكر الله وإدامة ذكره وتفريغ باله لذلك ، فأمر بأن يقدمهم لئلا يشتغل بمن خلفه قلبه ، وليكون مطلعا عليهم وعلى أحوالهم فلا تفرط منهم التفاتة احتشاما منه ولا غيرها من الهفوات في تلك الحال المهولة المحذورة ، ولئلا يتخلف منهم أحد لغرض له فيصيبه العذاب ، وليكون مسيره مسير الهارب الذي يقدم سربه ويفوت به ، ونهوا عن الالتفات لئلا يروا ما ينزل بقومهم من العذاب فيرقوا لهم ، وليوطنوا نفوسهم على المهاجرة ويطيبوها عن مساكنهم ويمضوا قدما غير ملتفتين إلى ما وراءهم ، كالذي يتحسر على مفارقة وطنه فلا يزال يلوى إليه أخادعه ، كما قال : تلفت نحو الحي حتى وجدتني * رجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا أو جعل النهي عن الالتفات كناية عن مواصلة السير وترك التواني والتوقف ، لأن من يلتفت لا بد له في ذلك من أدنى وقفة ( حيث تؤمرون ) قيل هو مصر ، وعدي وامضوا إلى حيث تعديته إلى الظرف المبهم ، لأن حيث مبهم في الأمكنة وكذلك الضمير في تؤمرون ، وعدي قضينا بإلى لأنه ضمن معنى أوحينا كأنه قيل : وأوحينا إليه مقضيا مبتوتا ، وفسر ( ذلك الأمر ) بقوله ( أن دابر هؤلاء مقطوع ) وفي إبهامه وتفسيره تفخيم للأمر وتعظيم له وقرأ الأعمش إن بالكسر على الاستئناف كأن قائلا قال : أخبرنا عن ذلك الأمر ، فقال إن دابر هؤلاء . وفي قراءة ابن مسعود : وقلنا إن دابر هؤلاء ، ودابرهم آخرهم : يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد ( أهل المدينة ) أهل سدوم التي ضرب بقاضيها المثل في الجور مستبشرين بالملائكة ( لا تفضحون ) بفضيحة ضيفي لأن من أسئ إلى ضيفه أو جاره فقد أسئ إليه ، كما أن من أكرم من يتصل به فقد أكرم ( ولا تخزون ) ولا تذلون بإذلال ضيفي من الخزي وهو الهوان ، أو ولا تشوروا بي من الخزية وهي الحياء ( عن العالمين ) عن أن تجبر منهم أحدا أو تدفع عنهم أو تمنع بيننا وبينهم فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحد ، وكان يقوم صلى الله عليه وسلم بالنهي عن المنكر والحجر بينهم وبين المتعرض له ، فأوعدوه و - قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين