تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
ونحن الوارثون . ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين . وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم . ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون . والجان خلقناه من قبل من نار السموم . وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين . فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين . قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين . قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من
شرح
أي على معنى نحن القادرون على خلقه في السماء وأنزلناه منها وما أنتم عليه بقادرين دلالة على عظيم قدرته وإظهارا لعجزهم ( ونحن الوارثون ) أي الباقون بعد هلاك الخلق كله . وقيل للباقي وارث استعارة من وارث الميت لأنه يبقى بعد فنائه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه " واجعله الوارث منا " ( ولقد علمنا ) من استقدم ولادة وموتا ومن تأخر من الأولين والآخرين ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من تقدم في الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر ، وقيل المستقدمين في صفوف الجماعة والمستأخرين . وروي عن امرأة حسناء كانت في المصليات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان بعض القوم يستقدم لئلا ينظر إليها ، وبعض يستأخر ليبصرها فنزلت ( وهو يحشرهم ) أي هو وحده القادر على حشرهم والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم وتباعد أطراف عددهم ( إنه حكيم عليم ) باهر الحكمة واسع العلم يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب ، وقد أحاط علما بكل شئ . الصلصال هو الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ ، وإذا طبخ فهو فخار ، قالوا : إذا توهمت في صوته مدا فهو صليل ، وإن توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة . وقيل هو تضعيف إذا أنتن . والحمأ : الطين الأسود المتغير . والمسنون : المصور من سنة الوجه ، وقيل : المصبوب المفرغ : أي أفرغ صورة إنسان كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها ، وقيل المنتن من سننت الحجر إذا حككته به ، فالذي يسيل بينهما سنين ولا يكون إلا منتنا ( من حمأ ) صفة لصلصال : أي خلقه من صلصال كائن من حمأ ، وحق ( مسنون ) بمعنى مصور أن يكون صفة لصلصال ، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غير بعد ذلك إلى جوهر آخر ( والجان ) للجن كآدم للناس ، وقيل هو إبليس . وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد والجأن بالهمزة ( من نار السموم ) من نار الحر الشديد النافذ في المسام ، قيل هذه السموم جزء من سبعين جزءا من سموم النار التي خلق الله منها الجان ( وإذ قال ربك ) واذكر وقت قوله ( سويته ) عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها ، ومعنى ( ونفخت فيه من روحي ) وأحييته وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا به فيه ، واستثنى إبليس من الملائكة لأنه كان بينهم مأمورا معهم بالسجود ، فغلب اسم الملائكة ثم استثنى بعد التغليب كقولك رأيتهم إلا هندا ، و ( أبى ) استئناف على تقدير قول قائل يقول : هلا سجد ؟ فقيل أبى ذلك واستكبر عنه ، وقيل معناه : ولكن إبليس أبى . حرف الجر مع أن محذوف تقديره ( ما لك ) في ( ألا تكون مع الساجدين ) بمعنى أي غرض لك في إبائك السجود وأي داع لك إليه . اللام في ( لأسجد ) لتأكيد النفي ومعناه :