ونحن الوارثون . ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين . وإن
ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم . ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ
مسنون . والجان خلقناه من قبل من نار السموم . وإذ قال ربك للملائكة إني خالق
بشرا من صلصال من حمأ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له
ساجدين . فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين .
قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين . قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من
شرح
أي على معنى نحن القادرون على خلقه في السماء وأنزلناه منها وما أنتم عليه بقادرين دلالة على عظيم قدرته وإظهارا
لعجزهم ( ونحن الوارثون ) أي الباقون بعد هلاك الخلق كله . وقيل للباقي وارث استعارة من وارث الميت لأنه
يبقى بعد فنائه ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه " واجعله الوارث منا " ( ولقد علمنا ) من استقدم ولادة
وموتا ومن تأخر من الأولين والآخرين ، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد ، أو من تقدم في
الإسلام وسبق إلى الطاعة ومن تأخر ، وقيل المستقدمين في صفوف الجماعة والمستأخرين . وروي عن امرأة حسناء
كانت في المصليات خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان بعض القوم يستقدم لئلا ينظر إليها ، وبعض يستأخر
ليبصرها فنزلت ( وهو يحشرهم ) أي هو وحده القادر على حشرهم والعالم بحصرهم مع إفراط كثرتهم وتباعد أطراف
عددهم ( إنه حكيم عليم ) باهر الحكمة واسع العلم يفعل كل ما يفعل على مقتضى الحكمة والصواب ، وقد أحاط
علما بكل شئ . الصلصال هو الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ ، وإذا طبخ فهو فخار ، قالوا :
إذا توهمت في صوته مدا فهو صليل ، وإن توهمت فيه ترجيعا فهو صلصلة . وقيل هو تضعيف إذا أنتن . والحمأ :
الطين الأسود المتغير . والمسنون : المصور من سنة الوجه ، وقيل : المصبوب المفرغ : أي أفرغ صورة إنسان كما
تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها ، وقيل المنتن من سننت الحجر إذا حككته به ، فالذي يسيل بينهما
سنين ولا يكون إلا منتنا ( من حمأ ) صفة لصلصال : أي خلقه من صلصال كائن من حمأ ، وحق ( مسنون ) بمعنى
مصور أن يكون صفة لصلصال ، كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم
غير بعد ذلك إلى جوهر آخر ( والجان ) للجن كآدم للناس ، وقيل هو إبليس . وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد والجأن
بالهمزة ( من نار السموم ) من نار الحر الشديد النافذ في المسام ، قيل هذه السموم جزء من سبعين جزءا من سموم
النار التي خلق الله منها الجان ( وإذ قال ربك ) واذكر وقت قوله ( سويته ) عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ
الروح فيها ، ومعنى ( ونفخت فيه من روحي ) وأحييته وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيا
به فيه ، واستثنى إبليس من الملائكة لأنه كان بينهم مأمورا معهم بالسجود ، فغلب اسم الملائكة ثم استثنى بعد
التغليب كقولك رأيتهم إلا هندا ، و ( أبى ) استئناف على تقدير قول قائل يقول : هلا سجد ؟ فقيل أبى ذلك
واستكبر عنه ، وقيل معناه : ولكن إبليس أبى . حرف الجر مع أن محذوف تقديره ( ما لك ) في ( ألا تكون مع
الساجدين ) بمعنى أي غرض لك في إبائك السجود وأي داع لك إليه . اللام في ( لأسجد ) لتأكيد النفي ومعناه :