ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم . وإذ تأذن
ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد . وقال موسى إن تكفروا
أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد . ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم
قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات
فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا
شرح
إنجائكم وهو بدل الاشتمال . فإن قلت : في سورة البقرة يذبحون وفي الأعراف يقتلون وههنا ( ويذبحون ) مع الواو
فما الفرق ؟ قلت : الفرق أن التذبيح حيث طرح الواو جعل تفسيرا للعذاب وبيانا له ، وحيث أثبت جعل التذبيح
لأنه أوفى على جنس العذاب وزاد عليه زيادة ظاهرة كأنه جنس آخر . فإن قلت : كيف فعل آل فرعون بلاء من
ربهم ؟ قلت : تمكينهم وإمهالهم حتى فعلوا ما فعلوا ابتلاء من الله ، ووجه آخر وهو أن ذلك إشارة إلى الإنجاء وهو
بلاء عظيم ، والبلاء يكون ابتلاء بالنعمة والمحنة جميعا ، قال تعالى - ونبلوكم بالشر والخير فتنة - ، وقال زهير :
* فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو * ( وإذ تأذن ربكم ) من جملة ما قال موسى لقومه ، وانتصابه للعطف على قوله
- نعمة الله عليكم - كأنه قيل : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ، ومعنى
تأذن ربكم : أذن ربكم ، ونظير تأذن وأذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ، ولا بد في تفعل من زيادة معنى ليس
في أفعل كأنه قيل : وإذ أذن ربكم إيذانا بليغا تنتفي عنده الشكوك وتنزاح الشبه ، والمعنى : وإذ تأذن ربكم فقال
( لئن شكرتم ) أو أجرى تأذن مجرى قال لأنه ضرب من القول ، وفي قراءة ابن مسعود - وإذ قال ربكم لئن شكرتم -
أي لئن شكرتم يا بني إسرائيل ما خولتكم من نعمة الإنجاء وغيرها من النعم بالإيمان الخالص والعمل الصالح ( لأزيدنكم )
نعمة إلى نعمة ، ولأضاعفن لكم ما آتيتكم ( ولئن كفرتم ) وغمطتم ما أنعمت به عليكم ( إن عذابي لشديد ) لمن كفر
نعمتي ( وقال موسى إن تكفروا أنتم ) يا بني إسرائيل والناس كلهم فإنما ضررتم أنفسكم وحرمتموها الخير الذي
لا بد لكم منه وأنتم إليه محاويج ، والله غني عن شكركم ( حميد ) مستوجب للحمد بكثرة أنعمه وأياديه وإن لم يحمده
الحامدون ( والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله ) جملة من مبتدأ وخبر وقعت اعتراضا ، أو عطف الذين من بعدهم
على قوم نوح ولا يعلمهم إلا الله اعتراض ، والمعنى : أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله . وعن ابن عباس
رضي الله عنهما : بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أبا لا يعرفون . وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال : كذب
النسابون ، يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله علمها عن العباد ( فردوا أيديهم في أفواههم )