بسلطان مبين . قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من
يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل
المؤمنون . وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى
الله فليتوكل المتوكلون . وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو
لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين . ولنسكننكم الأرض من
شرح
جنس أفضل منهم وهم الملائكة ( بسلطان مبين ) بحجة بينة ، وقد جاءتهم رسلهم بالبينات والحجج ، وإنما أرادوا
بالسلطان المبين آية قد اقترحوها تعنتا ولجاجا ( إن نحن إلا بشر مثلكم ) تسليم لقولهم وأنهم بشر مثلهم ، يعنون
أنهم مثلهم في البشرية وحدها ، فأما ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم ، ولكنهم لم يذكروا فضلهم تواضعا منهم
واقتصروا على قولهم ( ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ) بالنبوة لأنه قد علم أنه لا يختصهم بتلك الكرامة إلا وهم
أهل لاختصاصهم بها لخصائص فيهم قد استؤثروا بها على أبناء جنسهم ( إلا بإذن الله ) أرادوا أن الإتيان بالآية التي
اقترحتموها ليس إلينا ولا في استطاعتنا وما هو إلا أمر يتعلق بمشيئة الله ( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) أمر منهم
للمؤمنين كافة بالتوكل ، وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا وأمروها به كأنهم قالوا : ومن حقنا أن نتوكل على الله
في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم وما يجري علينا منكم ، ألا ترى إلى قوله ( وما لنا ألا نتوكل على الله ) ومعناه :
وأي عذر لنا في أن لا نتوكل عليه ( وقد هدانا ) وقد فعل بنا ما يوجب توكلنا عليه وهو التوفيق لهداية كل واحد
منا سبيله الذي يجب عليه سلوكه في الدين . فإن قلت : كيف كرر الأمر بالتوكل ؟ قلت : الأول استحداث
التوكل ، وقوله ( فليتوكل المتوكلون ) معناه : فليثبت المتوكلون على ما استحدثوا من توكلهم وقصدهم إلى أنفسهم
على ما تقدم ( لنخرجنكم - أو لتعودن ) ليكونن أحد الأمرين لا محالة ، إما إخراجكم وإما عودكم حالفين على ذلك .
فإن قلت : كأنهم كانوا على ملتهم حتى يعودوا فيها . قلت : معاذ الله ، ولكن العود بمعنى الصيرورة ، وهو
كثير في كلام العرب كثرة فاشية لا تكاد تسمعهم يستعملون صار : ولكن عاد ما عدت أراه ، عاد لا يكلمني ،
ما عاد لفلان مال ، أو خاطبوا به كل رسول ومن آمن به ، فغلبوا في الخطاب الجماعة على الواحد ( لنهلكن
الظالمين ) حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه . وقرأ أبو حياة ليهلكن
وليسكننكم بالياء اعتبارا لأوحى ، وأن لفظه لفظ الغيبة ونحوه قولك : أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن . والمراد