تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد . واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد . من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد . يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ .
شرح
بالأرض : أرض الظالمين وديارهم ونحوه - وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها - وأورثكم أرضهم وديارهم - . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " من آذى جاره ورثه الله داره " ولقد عاينت هذا في مدة قريبة ، كان لي خال يظلمه عظيم القرية التي أنا منها ويؤذيني فيه ، فمات ذلك العظيم وملكني الله ضيعته ، فنظرت يوما إلى أبناء خالي يترددون فيها ويدخلون في دورها ويخرجون ويأمرون وينهون ، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدثتهم به وسجدنا شكرا لله ( ذلك ) إشارة إلى ما قضى به الله من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم : أي ذلك الأمر حق ( لمن خاف مقامي ) موقفي وهو موقف الحساب ، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، أو على إقحام المقام . وقيل خاف قيامي عليه وحفظي لأعماله . والمعنى : أن ذلك حق للمتقين كقوله - والعاقبة للمتقين - ( واستفتحوا ) واستنصروا الله على أعدائهم - إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح - أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهي الحكومة كقوله تعالى - ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق - وهو معطوف على أوحى إليهم . وقرئ واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على لنهلكن : أي أوحى إليهم ربهم وقال لهم لنهلكن وقال لهم استفتحوا ( وخاب كل جبار عنيد ) معناه : فنصروا وظفروا وأفلحوا ، وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم . وقيل واستفتح الكفار على الرسل ظنا منهم بأنهم على الحق والرسل على الباطل ، وخاب كل جبار عنيد منهم ولم يفلح باستفتاحه ( من ورائه ) من بين يديه ، قال : عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون رواءه فرج قريب وهذا وصف حاله وهو في الدنيا لأنه مرصد لجهنم ، فكأنها بين يديه وهو على شفيرها ، أو وصف حاله في الآخرة حين يبعث ويوقف . فإن قلت : علام عطف ( ويسقى ) ؟ قلت : على محذوف تقديره : من روائه جهنم يلقى فيها ما يلقى ، ويسقى من ماء صديد كأنه أشد عذابها ، فخصص بالذكر مع قوله - ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت - فإن قلت : ما وجه قوله تعالى ( من ماء صديد ) ؟ قلت : صديد عطف بيان لماء ، قال ويسقى من ماء ، فأبهمه إبهاما ثم بينه بقوله صديد وهو ما يسيل من جلود أهل النار ( يتجرعه ) يتكلف جرعه ( ولا يكاد يسيغه ) دخل كاد للمبالغة : يعني ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الإساغة كقوله - لم يكد يراها - أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها ( ويأتيه الموت من كل مكان ) كأن أسباب الموت وأصنافه كلها قد تألبت عليه وأحاطت به من جميع الجهات تفظيعا لما يصيبه من الآلام . وقيل من كل مكان من جسده حتى من إبهام رجله ، وقيل من أصل كل شعرة ( ومن ورائه ) ومن بين يديه ( عذاب غليظ ) أي في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله وأغلظ . وعن الفضيل : هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد ، ويحتمل أن يكون أهل مكة قد استفتحوا أي استمطروا ، والفتح المطر في سني القحط التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يسقوا ، يذكر سبحانه ذلك ، وأنه خيب رجاء كل جبار عنيد ، وأنه يسقى في جهنم بدل سقياه ماء آخر وهو صديد أهل النار ، واستفتحوا على هذا التفسير كلام مستأنف منقطع عن حديث الرسل وأممهم . هو مبتدأ محذوف الخبر عند
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 371 | الزمخشري