تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع . ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدى إليه من أناب الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب . الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب . كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون
شرح
في مقابلة عقبى الدار ، ويجوز أن يراد بالدار جهنم وبسوئها عذابها ( الله يبسط الرزق ) أي الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره وهو الذي بسط رزق أهل مكة ووسعه عليهم ( وفرحوا ) بما بسط لهم من الدنيا فرح بطر وأشر ، لأفرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم ، ولم يقابلوه بالشكر حتى يستوجبوا نعيم الآخرة ، وخفى عليهم أن نعيم الدنيا في جنب نعيم الآخرة ليس إلا شيئا نزرا يتمتع به ، كعجالة الراكب وهو ما يتعجله من تميرات أو شربة سويق أو نحو ذلك . فإن قلت : كيف طابق قولهم ( لولا أنزل عليه آية من ربه ) قوله ( قل إن الله يضل من يشاء ) ؟ قلت : هو كلام يجرى مجرى التعجب من قولهم ، وذلك أن الآيات الباهرة والمتكائرة التي أوتيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤتها نبي قبله ، وكفى بالقرآن وحده آية وراء كل آية ، فإذا جحدوها ولم يعتدوا بها وجعلوه كأن آية لم تنزل عليه قط كان موضعا للتعجب والاستنكار ، فكأنه قيل لهم : ما أعظم عنادكم وما أشد تصميمكم على كفركم ، إن الله يضل من يشاء ممن كان على صفتكم من التصميم وشدة الشكيمة في الكفر فلا سبيل إلى اهتدائهم وإن أنزلت كل آية ( ويهدى إليه من ) كان على خلاف صفتكم ( أناب ) أقبل إلى الحق وحقيقته دخل في نوبة الخير ، و ( الذين آمنوا ) بدل من : من أناب ( وتطمئن قلوبهم بذكر الله ) بذكر رحمته ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته كقوله - ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله - أو تطمئن بذكر دلائله الدالة على وحدانيته ، أو تطمئن بالقرآن لأنه معجزة بينة تسكن القلوب وتثبت اليقين فيها ( الذين آمنوا ) مبتدأ ، و ( طوبى لهم ) خبره ، ويجوز أن يكون بدلا من القلوب على تقدير حذف المضاف : أي تطمئن القلوب قلوب الذين أمنوا ، وطوبى مصدر من طاب كبشرى وزلفى ، ومعنى طوبى لك : أصبت خيرا وطيبا ، ومحلها النصب أو الرفع كقولك : طيبا لك وطيب لك وسلام لك وسلاما لك . والقراءة في قوله - وحسن مآب - بالرفع والنصب تدلك على محليها ، واللام في لهم للبيان مثلها في سقيا لك ، والواو في طوبى منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها كموقن وموسر ، وقرأ مكوزة الأعرابي طيبي لهم فكسر الطاء لتسلم الياء كما قيل بيض ومعيشة ( كذلك أرسلناك ) مثل ذلك الإرسال أرسلناك : يعنى أرسلناك إرسالا له شأن وفضل على سائر الإرسالات ، ثم فسر كيف أرسله فقال ( في أمة قد خلت من قبلها أمم ) أي أرسلناك في أمة قد تقدمتها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء ( لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك ) لتقرأ عليهم الكتاب العظيم الذي أوحينا إليك ( وهم يكفرون ) وحال هؤلاء أنهم يكفرون