تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب . الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب . والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة
شرح
من المثل في أن حال من علم ( أنما أنزل إليك من ربك الحق ) فاستجاب بمعزل من حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب كبعد ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز ( إنما يتذكر أولوا الألباب ) أي الذين عملوا على قضيات عقولهم فنظروا واستبصروا ( الذين يوفون بعهد الله ) مبتدأ - وأولئك لهم عقبى الدار - خبره كقوله - والذين ينقضون عهد الله - أولئك لهم اللعنة - ويجوز أن يكون صفة لأولي الألباب والأول أوجه . وعهد الله ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ؟ قالوا بلى ( ولا ينقضون الميثاق ) ولا ينقضون كل ما وثقوه على أنفسهم وقبلوه من الإيمان بالله وغيره من المواثيق بينهم وبين الله وبين العباد تعميم بعد تخصيص ( ما أمر الله به أن يوصل ) من الأرحام والقرابات ، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان - إنما المؤمنون إخوة - بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ونصرتهم والذب عنهم والشفقة عليهم والنصيحة لهم وطرح التفرقة بين أنفسهم وبينهم وإفشاء السلام عليهم وعيادة مرضاهم وشهود جنائزهم ، ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر وكل ما تعلق منهم بسبب حتى الهرة والدجاجة . وعن الفضيل بن عياض : أن جماعة دخلوا عليه بمكة فقال : من أين أنتم ؟ قالوا : من أهل خراسان ، قال : اتقوا الله وكونوا من حيث شئتم ، واعلموا أن العبد لو أحسن الإحسان كله وكانت له دجاجة فأساء إليها لم يكن من المحسنين ( ويخشون ربهم ) أي يخشون وعيده كله ( ويخافون ) خصوصا ( سوء الحساب ) فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ( صبروا ) مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النفوس والأموال ومشاق التكليف ( ابتغاء وجه ) الله لا ليقال ما أصبره وأحمله للنوازل وأوقره عند الزلازل ، ولا لئلا يعاب بالجزع ولئلا يشمت به الأعداء كقوله : وتجلدي للشامتين أريهم * ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا مرد فيه للفائت كقوله : ما إن جزعت ولا هلع‍ * ت ولا يرد بكاى زندا وكل عمل له وجوه يعمل عليها ، فعلى المؤمن أن ينوى منها ما به كان حسنا عند الله ، وإلا لم يستحق به ثوابا وكان فعلا كلا فعل ( مما رزقناهم ) من الحلال ، لأن الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله ( سرا وعلانية ) يتناول النوافل لأنها في السر أفضل ، والفرائض لوجوب المجاهرة بها نفيا للتهمة ( ويدرءون بالحسنة السيئة ) ويدفعونها ،