تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
يأت بصيرا واتوني بأهلكم أجمعين . ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون . قالوا تالله إنك لفى ضلالك القديم فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون . قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم .
شرح
المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة ، أمره جبريل عليه السلام أن يرسله إليه ، فإن فيه ريح الجنة لا يقع على مبتلى ولا سقيم إلا عوفي ( يأت بصيرا ) يصر بصيرا كقولك جاء البناء محكما بمعنى صار ، ويشهد له : فارتد بصيرا ، أو يأت إلى وهو بصير ، وينصره قوله ( واتوني بأهلكم أجمعين ) أي يأتني أبى ويأتني آله جميعا وقيل يهوذا هو الحامل قال : أنا أحزنته بحمل القميص ملطوخا بالدم إليه فأفرحه كما أحزنته . وقيل حمله وهو حاف حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرة ثمانين فرسخا ( فصلت العير ) خرجت عن عريش مصر ، يقال فصل من البلد فصولا : إذا انفصل منه وجاوز حيطانه ، وقرأ ابن عباس فلما انفصل العير ( قال ) لولد ولده ومن حوله من قومه ( إني لأجد ريح يوسف ) أوجد الله ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمان . والتفنيد النسبة إلى الفند وهو الخرف وإنكار العقل من هرم ، يقال شيخ مفند ولا يقال عجوز مفندة لأنها لم تكن في شبيبتها ذات رأى فتفند في كبرها ، والمعنى : لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني ( لفى ضلالك القديم ) لفى ذهابك عن الصواب قدما في إفراط محبتك ليوسف ولهجك بذكره ورجائك للقائه ، وكان عندهم إنه قد مات ( ألقاه ) طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو ألقاه يعقوب ( فارتد بصيرا ) فرجع بصيرا ، يقال رده فارتد وارتده : إذا ارتجعه ( ألم أقل لكم ) يعنى قوله - إني لأجد ريح يوسف - أو قوله - ولا تيأسوا من روح الله - وقوله ( إني أعلم ) كلام مبتدأ لم يقع عليه القول ، ولك أن توقعه عليه وتريد قوله - إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون - . وروى أنه سأل البشير كيف يوسف ؟ فقال : هو ملك مصر ، فقال : ما أصنع بالملك على أي دين تركته ؟ قال : على دين الإسلام ، قال : الآن تمت النعمة ( سوف أستغفر لكم ربى ) قيل أخر الاستغفار إلى وقت السحر ، وقيل إلى ليلة الجمعة ليتعمد به وقت الإجابة ، وقيل ليتعرف حالهم في صدق التوبة وإخلاصها ، وقيل أراد الدوام على الاستغفار لهم ، فقد روى أنه كان يستغفر لهم كل ليلة جمعة في نيف وعشرين سنة . وقيل قام إلى الصلاة في وقت السحر ، فلما فرغ رفع يديه وقال : اللهم اغفر لي جزعي على يوسف وقلة صبري عنه واغفر لولدي ما أتوا إلى أخيهم ، فأوحى إليه الله قد غفر لك ولهم أجمعين . وروى أنهم قالوا له وقد علتهم الكآبة : ما يغنى عنا عفوكما إن لم يعف عنا ربنا ، فإن لم يوح إليك بالعفو فلا قرت لنا عين أبدا ، فاستقبل الشيخ القبلة قائما يدعو وقام يوسف خلفه يؤمن ، وقاموا خلفهما أذلة خاشعين عشرين سنة ، حتى بلغ جهدهم وظنوا أنها الهلكة نزل جبريل عليه السلام فقال : إن الله قد أجاب دعوتك في ولدك وعقد مواثيقهم بعدك على النبوة ، وقد اختلف في استنبائهم