قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه
شرح
إلى الاستقباح والاستقباح يجر إلى التوبة ، فكان كلامه شفقة عليهم وتنصحا لهم في الدين لا معاتبة وتثريبا ، إيثارا
لحق الله على حق نفسه في ذلك المقام الذي يتنفس فيه المكروب وينفث المصدور ويتشفى المغيظ المحنق ويدرك ثأره
الموتور ، فلله أخلاق الأنبياء ما أوطأها وأسجحها ، ولله حصا عقولهم ما أرزنها وأرجحها . وقيل لم يرد نفى العلم
عنهم لأنهم كانوا علماء ولكنهم لما لم يفعلوا ما يقتضيه العلم ولا يقدم عليه ألا جاهل سماهم جاهلين . وقيل معناه :
إذ أنتم صبيان في حد السفه والطيش قبل أن تبلغوا أوان الحلم والرزانة ، روى أنهم لما قالوا مسنا وأهلنا الضر
وتضرعوا إليه ارفضت عينا ثم قال هذا القول . وقيل أدوا إليه كتاب يعقوب ( من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحاق
ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر ، أما بعد : فانا أهل بيت موكل بنا البلاء ، أما جدي فشدت يداه
ورجلاه ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه بردا وسلاما ، وأما أبى فوضع السكين على قفاه
ليقتل ففداه الله ، وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلى فذهب به إخوته إلى البرية ثم أتوني بقميصه ملطخا
بالدم وقالوا قد أكله الذئب فذهبت عيناي من بكائي عليه ، ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به
فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا إنه سرق وأنك حبسته لذلك ، وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا ، فإن رددته على
وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام ) فلما قرأ يوسف الكتاب لم يتمالك وعيل صبره فقال لهم
ذلك . وروى أنه لما قرأ الكتاب بكى وكتب الجواب : اصبر كما صبروا تظفر كما ظفروا . فإن قلت : ما فعلهم
بأخيه ؟ قلت : تعريضهم إياه للغم والثكل بإفراده عن أخيه لأبيه وأمه وجفاؤهم به حتى كان لا يستطيع أن يكلم أحدا
منهم إلا كلام الذليل للعزيز وإيذاؤهم له بأنواع الأذى . قرئ أئنك على الاستفهام وإنك على الإيجاب . وفى
قراءة أبى أئنك أو أنت يوسف على معنى : أئنك يوسف أو أنت يوسف ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه ،
وهذا كلام متعجب مستغرب لما يسمع فهو يكرر الاستثبات . فإن قلت : كيف عرفوه ؟ قلت : رأوا في روائه
وشمائله حين كلمهم بذلك ما شعروا به أنه هو مع علمهم بأن ما خاطبهم به لا يصدر مثله إلا عن حنيف مسلم من