تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
وأعلم من الله ما لا تعلمون . يا بنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين . قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون .
شرح
يعقوب جار له فقال : يا يعقوب قد تهشمت وفنيت وما بلغت من السن ما بلغ أبوك ، فقال : هشمني وأفناني ما ابتلاني الله به من هم يوسف ، فأوحى الله إليه : يا يعقوب أتشكوني إلى خلقي ؟ قال : يا رب خطيئة أخطأتها فاغفر لي فغفر له ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال - إنما أشكو بثي وحزني إلى الله - . وروى أنه أوحى إلى يعقوب : إنما وجدت عليكم لأنكم ذبحتم شاة ، فقام ببابكم مسكين فلم تطعموه ، وإن أحب خلقي إلى الأنبياء ثم المساكين ، فاصنع طعاما وادع عليه المساكين . وقيل اشترى جارية مع ولدها فباع ولدها فبكى حتى عميت ( وأعلم من الله الله ما لا تعلمون ) أي أعلم من صنعه ورحمته وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب . وروى أنه رأى ملك الموت في منامه فسأله : هل قبضت روح يوسف ؟ فقال لا ، والله هو حي فاطلبه . وقرأ الحسن وحزني بفتحتين ، وحزني بضمتين قتادة ( فتحسسوا من يوسف وأخيه ) فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما ، وقرئ بالجيم كما قرئ بهما في الحجرات ، وهما تفعل من الإحساس وهو المعرفة - فلما أحس عيسى منهم الكفر - ومن الجس وهو الطلب ، ومنه قالوا لمشاعر الإنسان الحواس والجواس ( من روح الله ) من فرجه وتنفيسه . وقرأ الحسن وقتادة من روح الله بالضم : أي من رحمته التي يحيا بها العباد ( الضر ) الهزال من الشدة والجوع ( مزجاة ) مدفوعة يدفعها كل تاجر رغبة عنها واحتقارا لها ، من أزجيته : إذا دفعته وطردته ، الريح تزجى السحاب . قيل كانت من متاع الأعراب صوفا وسمنا ، وقيل الصنوبر وحبة الخضراء ، وقيل سويق المقل والأقط ، وقيل دراهم زيوفا لا تؤخذ إلا بوضيعة ( فأوف لنا الكيل ) الذي هو حقنا ( وتصدق علينا ) وتفضل علينا بالمسامحة والإغماض عن رداءة البضاعة أو زدنا على حقنا ، فسموا ما هو فضل وزيادة لا تلزمه صدقة لأن الصدقات محظورة على الأنبياء . وقيل كانت تحل لغير نبينا . وسئل ابن عيينة عن ذلك فقال : ألم تسمع ( وتصدق علينا ) ؟ أراد أنها كانت حلالا لهم . والظاهر أنهم تمسكنوا له وطلبوا إليه أن يتصدق عليهم ، ومن ثم رق لهم وملكته الرحمة عليهم فلم يتمالك أن عرفهم نفسه . وقوله ( إن الله يجزى المتصدقين ) شاهد لذلك لذكر الله وجزائه . والصدقة : العطية التي تبتغى بها المثوبة من الله ، ومنه قول الحسن لمن سمعه يقول اللهم تصدق على : إن الله تعالى لا يتصدق ، إنما يتصدق الذي يبتغى الثواب ، قيل : اللهم أعطني أو تفضل على أو ارحمني ( قال هل علمتم ) أتاهم من جهة الدين وكان حليما موفقا ، فكلمهم مستفهما عن معرفة وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب فقال هل علمتم قبح ( ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون ) لا تعلمون قبحه فلذلك أقدمتم عليه : يعنى هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه ، لأن علم القبح يدعو