مثواي إنه لا يفلح الظالمون . ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه
شرح
مثواي ) حين قال لك أكرمي مثواه فما جزاؤه أن أخلفه في أهله سوء الخلافة وأخوانه فيهم ( إنه لا يفلح الظالمون )
الذين يجازون الحسن بالسئ ، وقيل أراد الزناة لأنهم ظالمون أنفسهم ، وقيل أراد ( 1 ) الله تعالى لأنه مسبب
الأسباب . هم بالأمر إذا قصده وعزم عليه قال :
هممت ولم أفعل وكدت وليتني * تركت على عثمان تبكى حلائله
ومنه قولك لا أفعل ذلك ولا كيدا ولا هما : أي ولا أكاد أن أفعله كيدا ولا أهم بفعله هما ، حكاه سيبويه .
ومنه الهمام وهو الذي إذا هم بأمر أمضاه ولم ينكل عنه ، وقوله ( ولقد همت به ) معناه : ولقد همت بمخالطته
( وهم بها ) وهم بمخالطتها ( لولا أن رأى برهان ربه ) جوابه محذوف تقديره : لولا أن أرى برهان ربه لخالطها ،
فحذف لأن قوله وهم بها يدل عليه كقولك : هممت بقتله لولا أنى خفت الله ، معناه : لولا أنى خفت الله لقتلته .
فإن قلت : كيف جاز على نبي الله أن يكون منه هم بالمعصية وقصد إليها ؟ قلت : المراد أن نفسه مالت إلى المخالطة
ونازعت إليها عن شهوة الشباب ، وقرمه ميلا يشبه الهم به والقصد إليه ، وكما تقتضيه صورة تلك الحال التي تكاد
تذهب بالعقول والعزائم وهو يكسر ما به ويرده بالنظر في برهان الله المأخوذ على المكلفين من وجب اجتناب
المحارم ، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع ، لأن استعظام
الصبر على الابتلاء على حسب عظم الابتلاء وشدته ، ولو كان همه كهمها عن عزيمة لما مدحه الله بأنه من عباده
لمخلصين ، ويجوز أن يريد بقوله وهم بها : وشارف أن يهم بها ، كما يقول الرجل : قتلته لو لم أخف الله ، يريد
مشارفة القتل ومشافهته كأنه شرع فيه . فإن قلت : قوله وهم بها داخل تحت حكم القسم في قوله ولقد همت به
أم هو خارج منه ؟ قلت : الأمران جائزان ، ومن حق القارئ إذا قدر خروجه من حكم القسم وجعله كلاما
برأسه أن يقف على قوله ولقد همت به ، ويبتدئ قوله وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ، وفيه أيضا إشعار بالفرق
بين الهمين ، فإن قلت : لم جعلت جواب لولا محذوفا يدل عليه هم بها وهلا جعلته هو الجواب مقدما ؟ قلت :
لأن لولا لا يتقدم عليها جوابها من قبل أنه في حكم الشرط وللشرط صدر الكلام ، وهو مع ما في حيزه من الجملتين
مثل كلمة واحدة ، ولا يجوز تقديم بعض الكلمة على بعض ، وأما حذف بعضها إذ دل الدليل عليه فجائز . فإن
قلت : فلم جعلت لولا متعلقة بهم بها وحده ولم تجعلها متعلقة بجملة قوله ولقد همت لبه وهم بها ، لأن الهم لا يتعلق
بالجواهر ولكن بالمعاني ، فلا بد من تقدير المخالطة ، والمخالطة لا تكون إلا من اثنين معا فكأنه قيل : ولقد هما
بالمخالطة لولا أن منع مانع أحدهما ؟ قلت : نعم ما قلت ، ولكن الله سبحانه قد جاء بالهمين على سبيل التفصيل
حيث قال : ولقد همت به وهم بها ، فكان إغفاله إلغاء له ، فوجب أن يكون التقدير : ولقد همت بمخالطته وهم
بمخالطتها ، على أن المراد بالمخالطتين توصلها إلى ما هو حظها من قضاء شهوتها منه ، وتوصله إلى ما هو حظه من
قضاء شهوته منه ، لولا أن رأى برهان ربه فترك التوصل إلى حظه من الشهوة ، فلذلك كانت لولا حقيقة بأن
تعلق بهم بها وحده ، وقد فسرهم يوسف بأنه حل الهميان وجلس منها مجلس المجامع ، وبأنه حل تكة سراويله
هامش
( 1 ) وقيل : أراد الله بقوله - ربى أحسن مثواي - كما هو ظاهر ، كتبه مصحح .