بمؤمن لنا ولو كنا صادقين . وجاءوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم
أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون . وجاءت سيارة فأرسلوا
واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى
شرح
وغير ذلك . والمعنى : نتسابق في العدو أو في الرمي . وجاء في التفسير ننتضل ( بمؤمن لنا ) بمصدق لنا ( ولو كنا
صادقين ) ولو كنا عندك من أهل الصدق والثقة لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سئ الظن بنا غير واثق بقولنا
( بدم كذب ) ذي كذب ، أو وصف بالمصدر مبالغة كأنه نفس الكذب وعينه ، كما يقال للكذب هو الكذب
بعينه والزور بذاته ، ونحوه : * فهن به جود وأنتم به بخل * وقرئ كذبا نصبا على الحال بمعنى جاءوا به
كاذبين ، ويجوز أن يكون مفعولا له . وقرأت عائشة رضي الله عنه كذب بالدال غير المعجمة : أي كدر ،
وقيل طري . وقال ابن جنى : أصله من الكدب وهو الفوف البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث كأنه دم قد
أثر في قميصه . روى أنهم ذبحوا سخلة ولطخوه بدمها وزل عنهم أن يمزقوه . وروى أن يعقوب لما سمع بخبر
يوسف صاح بأعلى صوته وقال : أين القميص ؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خصب وجهه بدم القميص
وقال تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه . وقيل كان في قميص يوسف ثلاث
آيات : كان دليلا ليعقوب على كذبهم ، وألقاه على وجهه فارتد بصيرا ، ودليلا على براءة يوسف حين قد من
دبر . فإن قلت : على قميصة ما محله ؟ قلت : محله النصب على الظرف كأنه قيل : وجاءوا فوق قميصه بدم ، كما
تقول : جاء على جماله بأحمال . فإن قلت : هل يجوز أن تكون حالا متقدمة ؟ قيل : لا لأن حال المجرور لا تتقدم
عليه ( سولت ) سهلت من السول وهو الاسترخاء : أي سهلت ( لكل أنفسكم أمرا ) عظيما ارتكبتموه من يوسف
وهونته في أعينكم ، استدل على فعلهم به بما كان يعرف من حسدهم وبسلامة القميص ، أو أوحى إليه بأنهم
قصدوه ( فصبر جميل ) خبر أو مبتدأ لكونه موصوفا : أي فأمري صبر جميل أو فصبر جميل أمثل ، وفى قراءة أبى
فصبرا جميلا . والصبر الجميل جاء في الحديث المرفوع أنه الذي لا شكوى فيه ، ومعناه : لا شكوى فيه إلى الخلق .
ألا ترى إلى قوله - إنما أشكو بثي وحزني إلى الله - وقيل لا أعايشكم على كآبة الوجه بل أكون لكم كما كنت .
وقيل سقط حاجبا يعقوب على عينيه فكان يرفعهما بعصابة ، فقيل له ما هذا ؟ فقال : طول الزمان وكثرة الأحزان ،
فأوحى الله تعالى إليه يا يعقوب أتشكوني ؟ قال : يا رب خطيئة فاغفرها لي ( والله المستعان ) أي أستعينه ( على )
احتمال ( ما تصفون ) من هلاك يوسف والصبر على الرزء فيه ( وجاءت سيارة ) رفقة تسير من قبل مدين إلى مصر
وذلك بعد ثلاثة أيام من القاء يوسف في الجب ، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه ، وكان الجب في قفرة بعيدة من
العمران لم يكن إلا للرعاة ، وقيل كان ماؤه ملحا فعذب حين القى فيه يوسف ( فأرسلوا ) رجلا يقال له مالك بن
ذعر الخزاعي ليطلب لهم الماء . والوارد إلى يرد الماء ليستقى للقوم ( يا بشرى ) نادى البشرى كأنه يقول تعالى فهذا
من آونتك . وقرئ يا بشراى إ على . إضافتها إلى نفسه ، وفى قراءة الحسن وغيره يا بشرى بالياء مكان الألف جعلت
الياء بمنزلة الكسرة قبل ياء الإضافة ، وهى لغة للعرب مشهورة . سمعت أهل السروات يقولون في دعائهم :