تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون . وجاءوا أباهم عشاء يبكون . قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت
شرح
استغاث بواحد منهم لم يغثه إلا بالإهانه والضرب حتى كادوا يقتلونه فجعل يصيح : يا أبتاه لو تعلم ما يصنع بابنك أولاد الإماء ، فقال يهوذا : أما أعطيتموني موثقا أن لا تقتلوه ؟ فلما أرادوا إلقاءه في الجب تعلق بثيابهم فنزعوها من يديه ، فتعلق بحائط البئر فربطوا يديه ونزعوا قميصه ، فقال : يا إخوتاه ردوا على قميصي أتوارى به ، وإنما نزعوه ليلطخوه بالدم ويحتالوا به على أبيهم ، فقالوا له : ادع الشمس والقمر والأحد ، عشر كوكبا تؤنسك ودلوه في البئر فلما بلغ نصفها ألقوه ليموت ، وكان في البئر ماء فسقط فيه ، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي ، فنادوه فظن أنها رحمة أدركتهم فأجابهم ، فأرادوا أن يرضخوه ليقتلوه فمنعهم يهوذا ، وكان يهوذا يأتيه بالطعام . ويروى أن إبراهيم عليه السلام حين ألقى في النار وجرد عن ثيابه أتاه جبريل بقميص من حرير الجنة فالبسه إياه ، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق وإسحق إلى يعقوب ، فجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف ، فجاء جبريل فأخرجه وألبسه إياه ( وأوحينا إليه ) قيل أوحى إليه في الصغر كما أوحى إلى يحيى وعيسى ، وقيل كان إذا ذاك مدركا ، وعن الحسن كان له سبع عشرة سنة ( لتنبئنهم بأمرهم هذا ) وإنما أوحى إليه ليؤنس في الظلمة والوحشة ويبشر بما يؤول إليه أمره ، ومعناه : لتتخلصن مما أنت فيه ولتحدثن إخوتك بما فعلوا بك ( وهم لا يشعرون ) أنك يوسف لعلو شأنك وكبرياء سلطانك وبعد حالك عن أوهامهم ولطول العهد المبدل للهيئات والأشكال ، وذلك أنهم حين دخلوا عليه ممتارين فعرفهم وهم له منكرون ، دعا بالصواع فوضعه على يده ، ثم نقره فطن فقال : إنه ليخبرني هذا الجام أنه كان لكم أخ من أبيكم يقال له يوسف وكان يدنيه دونكم ، وأنكم انطلقتم به وألقيتموه في غياب الجب وقلتم لأبيكم أكله الذئب وبعتموه بثمن بخس . ويجوز أن يتعلق - وهم لا يشعرون - بقوله - وأوحينا - على أنا آنسناه بالوحي وأزلناه عن قلبه الوحشة وهم لا يشعرون ذلك ويحسبون أنه مرهق مستوحش لا أنيس له . وقرئ لننبأهم بالنون على أنه وعيد لهم ، وقوله - وهم لا يشعرون - متعلق بأوحينا لاغير . وعن الحسن عشيا على تصغير عشى ، يقال لقيته عشيا وعشيانا وأصيلا وأصيلانا ، ورواه ابن جنى عشى بضم العين والقصر وقال : عشوا من البكاء . وروى أن امرأة حاكمت إلى شريح فبكت ، فقال له الشعبي : يا أبا أمية أما تراها تبكى ؟ فقال : قد جاء إخوة يوسف يبكون وهم ظلمة ، ولا ينبغي لأحد أن يقضى إلا بما أمر إن يقضى به من السنة المرضية . وروى أنه لما سمع صوتهم فزع وقال : ما لكم يا بني هل أصابكم في غنمكم شئ ؟ قالوا لا ، قال فما لكم ، وأين يوسف ؟ ( قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ) أي نتسابق والافتعال والتفاعل يشتركان كالانتضال والتناضل والارتماء والترامي