وإن كنت من قبله لمن الغافلين . إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر
كوكبا والشمس والقمر
شرح
وأعجب أسلوب ، ألا ترى أن هذا الحديث مقتص في كتب الأولين وفى التواريخ ، ولا ترى اقتصاصه في
كتاب منها مقاربا لاقتصاصه في القرآن . وإن أريد بالقصص المقصوص فمعناه : نحن نقص عليك أحسن ما يقص
من الأحاديث ، وإنما كان أحسنه لما يتضمن من العبر والنكت والحكم والعجائب التي ليست في غيرها ، والظاهر
أنه أحسن ما يقتص في بابه كما يقال في الرجل هو أعلم الناس وأفضلهم ، يراد في فنه . فإن قلت مم اشتقاق
القصص ؟ قلت : من قص أثره إذا اتبعه ، لأن الذي يقص الحديث يتبع ما حفظ منه شيئا فشيئا كما يقال تلا القرآن
إذا قرأه لأنه يتلو : أي يتبع ما حفظ منه آية بعد آية ( وإن كنت ) إن مخففة من الثقيلة . واللام هي التي تفرق بينها
وبين النافية ، والضمير في ( قبله ) راجع إلى قوله - ما أوحينا - والمعنى : وإن الشأن والحديث كنت من قبل
إيحائنا إليك من الغافلين عنه : أي من الجاهلين به ما كان لك فيه علم قط ولا طرق سمعك طرف منه ( إذ قال
يوسف ) بدل من أحسن القصص وهو من بدل الاشتمال لأن الوقت مشتمل على القصص وهو المقصوص ، فإذا
قص وقته فقد قص ، أو بإضمار أذكر . ويوسف اسم عبراني ، وقيل عربي وليس بصحيح ، لأنه لو كان عربيا
لا نصرف لخلوه عن سبب آخر سوى التعريف . فإن قلت : فما تقول فيمن قرأ يوسف بكسر السين ، أو يوسف
بفتحها ، هل يجوز على قراءته أن يقال هو عربي لأنه على وزن المضارع المبنى للفاعل ، أو المفعول من آسف وإنما منع
الصرف للتعريف ووزن الفعل ؟ قلت : لا لأن القراءة المشهورة قامت بالشهادة على أن الكلمة أعجمية فلا تكون
عربية تارة وأعجمية أخرى ونحو يوسف يونس رويت فيه هذه اللغات الثلاث ، ولا يقال هو عربي لأنه في لغتين
منها بوزن المضارع من آنس وأونس . وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا قيل من الكريم فقولوا الكريم ابن
الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ) ( يا أبت ) قرئ بالحركات الثلاث . فإن
قلت : ما هذه التاء ؟ قلت : تاء تأنيث وقعت عوضا من ياء الإضافة ، والدليل على أنها تاء تأنيث قلبها هاء في
الوقف . فإن قلت : كيف جاز الحاق تاء التأنيث بالمذكر ؟ قلت : كما جاز نحو قولك حمامة ذكر وشاة ذكر
ورجل ربعة وغلام يفعة . فإن قلت : فلم ساغ تعويض تاء التأنيث من ياء الإضافة ؟ قلت : لأن التأنيث والإضافة
يتناسبان في أن كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره . فإن قلت : فما هذه الكسرة ؟ قلت : هي
الكسرة التي كانت قبل الياء في قولك يا أبى قد زحلقت إلى التاء لاقتضاء تاء التأنيث أن يكون ما قبلها مفتوحا . فإن
قلت : فما بال الكسرة لم تسقط بالفتحة التي اقتضتها التاء وتبقى التاء ساكنة ؟ قلت : امتنع ذلك فيها لأنها اسم
والأسماء حقها التحريك لأصالتها في الإعراب ، وإنما جاز تسكين الياء وأصلها أن تحرك تخفيفا لأنها حرف لين ،