كما بعدت ثمود . ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين . إلى فرعون وملائه
فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد . يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار
وبئس الورد المورود . وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيامة بئس الرفد المرفود . ذلك
من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد . وما ظلمناهم ولكن ظلموا
شرح
بمعنى الرشد ، ألا ترى إلى قوله ( كما بعدت ) وقرأ السلمي بعدت بضم العين والمعنى في البناءين واحد ، وهو نقيض
القرب إلا أنهم أرادوا التفصلة بين البعد من جهة الهلاك وبين غيره فغيروا البناء كما فرقوا بين ضمان الخير والشر
فقالوا وعد وأوعد ، وقراءة السلمي جاءت على الأصل اعتبارا لمعنى البعد من غير تخصيص كما يقال ذهب فلان
ومضى في معنى الموت ، وقيل معناه بعدا لهم من رحمه الله كما بعدت ثمود منها ( بآياتنا وسلطان مبين ) فيه وجهان
أن يراد أن هذه الآيات فيها سلطان مبين لموسى على صدق نبوته ، وأن يراد بالسلطان المبين العصا لأنها أبهرها ( وما
أمر فرعون برشيد ) تجهيل لمتبعيه حيث شايعوه على أمره وهو ضلال مبين لا يخفى على من فيه أدنى مسكة من العقل ،
وذلك أنه ادعى الإلهية وهو بشر مثلهم وجاهر بالعسف والظلم والشر الذي لا يأتي إلا من شيطان مارد ، ومثله بمعزل
من الإلهية ذاتا وأفعالا فاتبعوه وسلموا له دعواه وتتابعوا على طاعته . والأمر الرشيد الذي فيه رشد أي وما في أمره
رشد إنما هو غي صريح وضلال ضاهر مكشوف ، وإنما يتبع العقلاء من يرشدهم ويهديهم لا من يضلهم ويغويهم ،
وفيه أنهم عاينوا الآيات والسلطان المبين في أمر موسى عليه السلام وعلموا أن معه الرشد والحق ثم عدلوا عن اتباعه
إلى اتباع من ليس في أمره رشد قط ( يقدم قومه ) أي كما كان قدوة لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم
يتبعونه ، ويجوز أن يريد بقوله - وما أمر فرعون برشيد - وما أمره بصالح حميد العاقبة ويكون قوله - يقدم قومه -
تفسيرا لذلك وإيضاحا : أي كيف يرشد أمر من هذه عاقبته ؟ والرشد مستعمل في كل ما يحمد ويرتضى كما استعمل
الغى في كل ما يذم ويتسخط ، ويقال قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه قادمة الرحل كما يقال قدمه بمعنى تقدمه ، ومنه
مقدمة الجيش وأقدم بمعنى تقدم ، ومنه مقدم العين . فإن قلت : هلا قيل يقدم قومه فيوردهم ولم جئ بالفظ
الماضي . قلت : لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به ، فكأنه قيل : يقدمهم فيوردهم النار لا محالة
و ( الورد ) المورد ، و ( المورود ) الذي وردوه شبه بالقارط الذي يتقدم الواردة إلى الماء ، وشبه أتباعه بالواردة
ثم قيل بئس الورد الذي يردونه النار ، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده ( وأتبعوا
في هذه ) في هذه الدنيا ( لعنة ) أي يلعنون في الدنيا ويلعنون في الآخرة ( بئس الرفد المرفود ) رفدهم : أي بئس
العون المعان وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد للعذاب ومدد له ، وقد رفدت بالعنة في الآخرة . وقيل بئس العطاء ،
المعطى ( ذلك ) مبتدأ ( من أنباء القرى نقصه عليك ) خبر بعد خبر : أي ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة
مقصوص عليك ( منها ) الضمير للقرى : أي بعضها باق وبعضها عافى الأثر كالزرع القائم على ساقه والذي حصد .
فإن قلت : ما محل هذه الجملة ؟ قلت : هي مستأنفة لا محل لها ( وما ظلمناهم ) بإهلاكنا إياهم ( ولكن ظلموا