مجيد . فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط . إن
إبراهيم لحليم أواه منيب . يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم
آتيهم عذاب غير مردود . ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال
هذا يوم عصيب . وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات
شرح
فاعل ما يستوجب به الحمد من عباده ( مجيد ) كريم كثير الإحسان إليهم . وأهل البيت نصب على النداء أو على
الاختصاص ، لأن أهل البيت مدح لهم إذ المراد أهل بيت خليل الرحمن ( الروع ) ما أوجس من الخيفة حين نكر
أضيافة . والمعنى : أنه لما اطمأن قلبه بعد الخوف وملئ سرورا بسبب البشرى بدل الغم فرغ للمجادلة . فإن
قلت : أين جواب لما : قلت : هو محذوف كما حذف في قوله - فلما ذهبوا به وأجمعوا - وقوله ( يجادلنا ) كلام
مستأنف دال على الجواب وتقديره اجترأ على خطابنا أو فطن لمجادلتنا أو قال كيت وكيت ، ثم ابتدأ فقال - يجادلنا
في قوم لوط - وقيل في يجادلنا هو جواب لما وإنما جئ به مضارعا لحكاية الحال . وقيل إن لما ترد المضارع إلى
معنى الماضي كما ترد إن الماضي إلى معنى الاستقبال . وقيل معناه : أخذ يجادلنا وأقبل يجادلنا . والمعنى : يجادل
رسلنا ، ومجادلته إياهم أنهم قالوا : أنا مهلكوا أهل هذه القرية فقال : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا من المؤمنين
أتهلكونها ؟ قالوا لا ، قال فأربعون ؟ قالوا لا ، قال فثلاثون ؟ قالوا حتى بلغ العشرة قالوا لا ، قال : أرأيتم إن
كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها ؟ قالوا لا ، فعند ذلك - قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه
وأهله - ( في قوم لوط ) في معناهم . وعن ابن عباس قالوا له : إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب . وعن
قتادة : ما قوم لا يكون فيهم عشرة فيهم خير . وقيل كان فيهم أربعة آلاف ألف إنسان ( إن إبراهيم لحليم ) غير
عجول على كل من أساء إليه ( أواه ) كثير التأوه من الذنوب ( منيب ) تائب راجع إلى الله بما يحب ويرضى
وهذه الصفات دالة على رقة القلب والرأفة والرحمة ، فبين أن ذلك مما حمله على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم
العذاب ويمهلوا لعلهم يحدثون التوبة والإنابة كما حمله على الاستغفار لأبيه ( يا إبراهيم ) على إرادة القول : أي قالت
له الملائكة ( أعرض عن هذا ) الجدال وإن كانت الرحمة ديدنك فلا فائدة فيه ( إنه قد جاء أمر ربك ) وهو
قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن صواب وحكمة ، والعذاب نازل بالقوم لا محالة لا مرد له بجدال ولا دعاء
ولا غير ذلك . كانت مساءة لوط وضيق ذرعة ، لأنه حسب أنهم إنس فخاف عليهم خبث قومه وأن يعجز
عن مقاومتهم ومدافعتهم . وروى أن الله تعالى قال لهم : لا تهلكوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلما
مشى معهم منطلقا بهم إلى منزله قال لهم : أما بلغكم أمر هذه القرية ؟ قالوا : وما أمرهم ؟ قال : أشهد بالله إنها
لشر قرية في الأرض عملا ، يقول ذلك أربع مرات ، فدخلوا معه منزله ولم يعلم ذلك أحد ، فخرجت امرأته
فأخبرت بهم قومها . يقال يوم عصيب وعصوصب إذا كان شديدا ، من قولك عصبه إذا شده ( يهرعون )
يسرعون كأنما يدفعون دفعا ( ومن قبل كانوا يعملون السيئات ) ومن قبل ذلك الوقت كانوا يعملون الفواحش
ويكثرونها فضروا بها ومرنوا عليها وقل عندهم استقباحها ، فلذلك جاءوا يهرعون مجاهرين لا يكفهم حياء . وقيل