ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف
عليكم عذاب يوم محيط . ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا
الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين . بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين
شرح
إلا أنها إذا هوت منها فهي أسرع شئ لحوقا بالمرمى فكأنها بمكان قريب منه ( إني أراكم بخير ) يريد بثروة وسعة
تغنيكم عن التطفيف ، أو أراكم بنعمة من الله حقها أن تقابل بغير ما تفعلون ، أو أراكم بخير فلا تزيلوه عنكم بما
أنتم عليه كقول مؤمن آل فرعون - يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا -
( يوم محيط ) مهلك من قوله - وأحيط بثمره - وأصله من إحاطة العدو . فإن قلت : وصف العذاب بالإحاطة أبلغ
أم وصف ليوم بها ؟ قلت : بل وصف اليوم بها لأن اليوم زمان يشتمل على الحوادث ، فإذا أحاط بعذابه فقد
اجتمع للمعذب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه . فإن قلت : النهى عن النقصان أمر بالإيفاء فما فائدة قوله
أوفوا ؟ قلت : نهوا أولا عن عين القبيح الذي كانوا عليه من نقص المكيال والميزان ، لأن في التصريح بالقبيح
نعيا على المنهى وتعبيرا له ، ثم ورد الأمر بالإيفاء الذي هو حسن في العقول مصرحا بالفظة لزيادة ترغيب فيه وبعث
عليه وجئ به مقيدا بالقسط : أي ليكن الإيفاء على وجه العدل والتسوية من غير زيادة ولا نقصان أمرا بما هو
الواجب لأن ما جاوز العدل فضل ، وأمر مندوب إليه وفيه توقيف على أن الموفى عليه أن ينوى بالوفاء القسط ،
لأن الإيفاء وجه حسنه أنه قسط وعدل ، فهذه ثلاث فوائد . والبخس : الهضم والنقص ، ويقال للمكس البخس ،
قال زهير : * وفى كل ما باع امرؤ بخس درهم * وروى مكس درهم ، وكانوا يأخذون من كل شئ يباع
شيئا كما تفعل السماسرة أو كانوا يمكسون الناس أو كانوا ينقصون من أثمان ما يشترون من الأشياء فنهوا عن ذلك .
والعثي في الأرض نحو السرقة والغارة وقطع السبيل ، ويجوز أن يجعل التطفيف والبخس عثيا منهم في الأرض
( بقيت الله ) ما يبقى لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم ( خير لكم إن كنتم مؤمنين ) بشرط أن تؤمنوا
وإنما خوطبوا بترك التطفيف والبخس والفساد في الأرض وهم كفرة بشرط الإيمان . فإن قلت : بقية الله خير