تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
لعاد قوم هود . وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه ، إن ربى قريب مجيب . قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب . قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته
شرح
( قوم هود ) عطف بيان لعاد . فإن قلت : ما الفائدة في هذا البيان والبيان حاصل بدونه ؟ قلت : الفائدة فيه أن يوسموا بهذه الدعوة وسما وتجعل فيهم أمرا محققا لا شبهة فيه بوجه من الوجوه ، ولأن عادا عادان : الأولى القديمة التي هي قوم هود والقصة فيهم ، والأخرى إرم ( هو أنشأكم من الأرض ) لم ينشئكم منها إلا هو ولم يستعمركم فيها غيره ، وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ( واستعمركم فيها ) وآمركم بالعمارة ، والعمارة متنوعة إلى واجب وندب ومباح ومكروه ، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا الأعمار والطوال مع ما كان فيهم من عسف الرعايا ، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم ، فأوحى إليه أنهم عمروا بلادي فعاش فيها عبادي . وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره فقيل له ، فقال : ما حملني عليه إلا قول القائل : ليس الفتى بفتى لا يستضاء به * ولا تكون له في الأرض آثار وقيل استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء ، وقد جعل من العمرى ، وفيه وجهان : أحدهما أن يكون استعمر في معنى أعمر كقولك استهلكه في معنى أهلكه ، ومعناه : أعمركم فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء أعماركم ، والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها ، لأن الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره إياها ، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره ( قريب ) دانى الرحمة يسهل المطلب ( مجيب ) لمن دعاه وسأله ( فينا ) فيما بيننا ( مرجوا ) كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد ، فكنا نرجوك لننتفع بك وتكون مشاورا في الأمور ومسترشدا في التدابير ، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك ، وعن ابن عباس : فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا ، وقيل كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه ( يعبد آباؤنا ) حكاية حال ماضية ( مريب ) من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهى قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين ، أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازى ، قيل ( إن كنت على بينة من ربى ) بحرف الشك وكان على يقين أنه على بينة
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 278 | الزمخشري