لعاد قوم هود . وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله
غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه ، إن ربى
قريب مجيب . قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد
آباؤنا وإننا لفى شك مما تدعونا إليه مريب . قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة
من ربى وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته
شرح
( قوم هود ) عطف بيان لعاد . فإن قلت : ما الفائدة في هذا البيان والبيان حاصل بدونه ؟ قلت : الفائدة فيه
أن يوسموا بهذه الدعوة وسما وتجعل فيهم أمرا محققا لا شبهة فيه بوجه من الوجوه ، ولأن عادا عادان : الأولى القديمة
التي هي قوم هود والقصة فيهم ، والأخرى إرم ( هو أنشأكم من الأرض ) لم ينشئكم منها إلا هو ولم يستعمركم فيها
غيره ، وإنشاؤهم منها خلق آدم من التراب ( واستعمركم فيها ) وآمركم بالعمارة ، والعمارة متنوعة إلى واجب
وندب ومباح ومكروه ، وكان ملوك فارس قد أكثروا من حفر الأنهار وغرس الأشجار وعمروا الأعمار والطوال
مع ما كان فيهم من عسف الرعايا ، فسأل نبي من أنبياء زمانهم ربه عن سبب تعميرهم ، فأوحى إليه أنهم عمروا
بلادي فعاش فيها عبادي . وعن معاوية بن أبي سفيان أنه أخذ في إحياء الأرض في آخر أمره فقيل له ، فقال :
ما حملني عليه إلا قول القائل :
ليس الفتى بفتى لا يستضاء به * ولا تكون له في الأرض آثار
وقيل استعمركم من العمر نحو استبقاكم من البقاء ، وقد جعل من العمرى ، وفيه وجهان : أحدهما أن يكون
استعمر في معنى أعمر كقولك استهلكه في معنى أهلكه ، ومعناه : أعمركم فيها دياركم ثم هو وارثها منكم عند انقضاء
أعماركم ، والثاني أن يكون بمعنى جعلكم معمرين دياركم فيها ، لأن الرجل إذا ورث داره من بعده فكأنما أعمره
إياها ، لأنه يسكنها عمره ثم يتركها لغيره ( قريب ) دانى الرحمة يسهل المطلب ( مجيب ) لمن دعاه وسأله ( فينا ) فيما
بيننا ( مرجوا ) كانت تلوح فيك مخايل الخير وأمارات الرشد ، فكنا نرجوك لننتفع بك وتكون مشاورا في الأمور
ومسترشدا في التدابير ، فلما نطقت بهذا القول انقطع رجاؤنا عنك وعلمنا أن لا خير فيك ، وعن ابن عباس :
فاضلا خيرا نقدمك على جميعنا ، وقيل كنا نرجو أن تدخل في ديننا وتوافقنا على ما نحن عليه ( يعبد آباؤنا ) حكاية
حال ماضية ( مريب ) من أرابه إذا أوقعه في الريبة وهى قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين ، أو من أراب الرجل
إذا كان ذا ريبة على الإسناد المجازى ، قيل ( إن كنت على بينة من ربى ) بحرف الشك وكان على يقين أنه على بينة