حنيفا ولا تكونن من المشركين . ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن
فعلت فإنك إذا من الظالمين . وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك
بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم . قل يا أيها
الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما
يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل . واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله
وهو خير الحاكمين .
شرح
قلت : قد سوغ سيبويه أن توصل أن بالأمر والنهى وشبه ذلك بقولهم : أنت الذي تفعل على الخطاب ، لأن
الغرض وصلها بما تكون معه في معنى المصدر ، والأمر والنهى دالان على المصدر دلالة غيرها من الأفعال . أقم
وجهك استقم إليه ولا تلتفت يمينا ولا شمالا و ( حنيفا ) حال من الدين أو من الوجه ( فإن قلت ) معناه فإن دعوت
من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فكنى عنه بالفعل إيجازا ( فإنك إذا من الظالمين ) إذا جزاء للشرط وجواب
لسؤال مقدر ، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان وجعل من الظالمين لأنه لا ظلم أعظم من الشرك - إن الشرك
لظلم عظيم - . أتبع النهى عن عبادة الأوثان ووصفها بأنها لا تنفع ولا تضر أن الله عز وجل هو الضار والنافع ، الذي
إن أصابك بضر لم يقدر على كشفه إلا هو وحده دون كل أحد ، فكيف بالجماد الذي لا شعور به ، وكذلك إن
أرادك بخير لم يرد أحد ما يريده بك من فضله وإحسانه ، فكيف بالأوثان ، فهو الحقيق إذا بأن يتوجه إليه العبادة
دونها وهو أبلغ من قوله - إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته - .
فإن قلت : لم ذكر المس في أحدهما والإرادة في الثاني ؟ قلت : كأنه أراد أن يذكر الأمرين جميعا الإرادة
والإصابة في كل واحد من الضر والخير ، وأنه لا راد لما يريده منهما ولا مزيل لما يصيب به منهما ، فأوجز
الكلام بأن ذكر المس وهو الإصابة في أحدهما والإرادة في الآخر ليدل بما ذكر على ما ترك ، على أنه قد ذكر
الإصابة بالخير في قوله تعالى ( يصيب به من يشاء من عباده ) والمراد بالمشيئة مشيئة المصلحة ( قد جاءكم الحق ) فلم
يبق لكم عذر ولا على الله حجة ، فمن اختار الهدى واتباع الحق فما نفع باختياره إلا نفسه ، ومن آثر الضلال فما
ضر إلا نفسه ، واللام وعلى دلا على معنى النفع والضر . وكل إليهم الأمر بعد إبانة الحق وإزاحة العلل ، وفيه حث
على إيثار الهدى واطراح الضلال مع ذلك ( وما أنا عليكم بوكيل ) بحفيظ موكول إلى أمركم وحملكم على ما أريد ،
( إنما أنا بشير ونذير واصبر على دعوتهم واحتمال أذاهم وإعراضهم ( حتى يحكم الله ) لك بالنصرة عليهم والغلبة ،
وروى ( أنها لما نزلت جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فقال : إنكم ستجدون بعدي أثرة فاصبروا حتى
تلقوني ) يعنى أنى أمرت في هذه الآية بالصبر على ما سامتني الكفرة فصبرت ، فاصبروا أنتم على ما يسومكم الأمراء
الجورة ، قال أنس : فلم نصبر . وروى أن أبا قتادة تخلف عن تلقى معاوية حين قدم المدينة وقد تلقته الأنصار ،