من لدن حكيم خبير . ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير . وأن استغفروا
ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله
وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير . إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ
قدير . ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم
شرح
ما يحتاج إليه العباد : أي بين ولخص ، وقرئ - أحكمت آياته ثم فصلت - أي أحكمتها أنا ثم فصلتها . وعن عكرمة
والضحاك : ثم فصلت : أي فرقت بين الحق والباطل . فإن قلت : ما معنى ثم ؟ قلت : ليس معناها التراخي في
الوقت ولكن في الحال كما تقول : هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل ، وفلان كريم الأصل ثم
كريم الفعل ، وكتاب خبر مبتدأ محذوف وأحكمت صفة له ، وقوله ( من لدن حكيم خبير ) صفة ثانية ، ويجوز
أن يكون خبر وأن يكون صلة لأحكمت وفصلت : أي من عنده إحكامها وتفصيلها ، وفيه طباق حسن
لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها : أي بينها وشرحها خبير عالم بكيفيات الأمور ( ألا تعبدوا ) مفعول له على معنى
لئلا تعبدوا ، أو تكون أن مفسرة لأن في تفصيل الآيات معنى القول كأنه قيل : قال لا تعبدوا إلا الله ، أو أمركم
أن لا تعبدوا إلا الله ( وأن استغفروا ) أي أمركم بالتوحيد والاستغفار ، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ منقطعا عما
قبله على لسان النبي صلى الله عليه وسلم إغراء منه على اختصاص الله بالعبادة ، ويدل عليه قوله - إني لكم منه نذير
وبشير - كأنه قال : ترك عبادة غير الله إنني لكم منه نذير كقوله تعالى - فضرب الرقاب - والضمير في منه لله عز
وجل : أي إنني لكم نذير وبشير من جهته كقوله - رسول من الله - أو هي صلة لنذير : أي أنذركم منه ومن
عذابه إن كفرتم ، وأبشركم بثوابه إن آمنتم . فإن قلت : ما معنى ثم في قوله ( ثم توبوا إليه ) ؟ قلت : معناه
استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة ، أو استغفروا والاستغفار توبة ، ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها
كقوله - ثم استقاموا - ( يمتعكم ) يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية من عيشة واسعة ونعمة متتابعة ( إلى
أجل مسمى ) إلى أن يتوفاكم كقوله - فلنحيينه حياة طيبة - ( ويؤت كل ذي فضل فضله ) ويعط في الآخرة كل
من كان له فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس منه ، أو فضله في الثواب والدرجات تتفاضل في الجنة
على قدر تفاضل الطاعات ( وإن تولوا ) وإن تتولوا ( عذاب يوم كبير ) هو يوم القيامة وصف بالكبر كما وصف
بالعظم والثقل . وبين عذاب اليوم الكبير بأن مرجعهم إلى من هو قادر على كل شئ فكان قادرا على أشد ما أراد
من عذابهم لا يعجزه . وقرئ وإن تولوا من ولى ( يثنون صدورهم ) يزورون عن الحق وينحرفون عنه ، لأن من
أقبل على الشئ استقبله بصدره ، ومن أزور عنه وانحرف ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه ( ليستخفوا منه )
يعنى ويريدون ليستخفوا من الله فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم ، ونظير إضمار يريدون لقود المعنى إلى
إضماره الإضمار في قوله تعالى - اضرب بعصاك البحر فانفلق - معناه : فضرب فانفلق ، ومعنى - ألا حين يستغشون
ثيابهم ) ويريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم أيضا كراهة لاستماع كلام الله تعالى كقول نوح عليه السلام