تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور . وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم
شرح
- جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم - ثم قال ( يعلم ما يسرون وما يعلنون ) يعنى أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم ، فلا وجه لتوصلهم إلى ما يريدون من الاستخفاء والله مطلع على ثنيهم صدورهم واستغشائهم ثيابهم ونفاقهم غير نافق عنده . روى أنها نزلت في الأخنس بن شريق ، وكان يظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبة وله منطق حلو وحسن سياق للحديث ، فكان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم مجالسته ومحادثته وهو يضمر خلاف ما يظهر . وقيل نزلت في المنافقين . وقرئ تثوني صدورهم واثنوني . افعوعل من الثنى كاحلولى من الحلاوة وهو بناء مبالغة ، قرئ بالتاء والياء . وعن ابن عباس لتثنوني . وقرئ تثنون وأصله تثنونن تفعه عل من الثن وهو ما هش وضعف من الكلأ ، يريد مطاوعة صدورهم للثنى كما ينثني الهش من النبات ، أو أراد ضعف إيمانهم ومرض قلوبهم . وقرئ تثنئن من اثنأن أفعال منه ثم همز كما قيل ابيأضت وادهأمت . وقرئ تثنوى بوزن ترعوى . فإن قلت : كيف قال ( على الله رزقها ) بلفظ الوجوب وإنما هو تفضل ؟ قلت : هو تفضل إلا أنه لما ضمن أن يتفضل به عليهم رجع التفضل واجبا كنذور العباد . والمستقر مكانه من الأرض ومسكنه والمستودع حيث كان مودعا قبل الاستقرار من صلب أو رحم أو بيضة ( كل ) كل واحد من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها في اللوح : يعنى ذكرها مكتوب فيه مبين ( وكان عرشه على الماء ) أي ما كان تحته خلق قبل السماوات والأرض وارتفاعه فوقها إلا الماء . وفيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض . وقيل وكان الماء على متن الريح والله أعلم بذلك ، وكيفما كان فالله ممسك كل ذلك بقدرته ، وكلما ازدادت الأجرام كانت أحوج إليه وإلى إمساكه ( ليبلوكم ) متعلق بخلق : أي خلقهن لحكمة بالغة ، وهى أن يجعلها مساكن لعباده وينعم عليهم فيها بفنون النعم ويكلفهم الطاعات واجتناب المعاصي ، فمن شكر وأطاع أثابه ، ومن كفر وعصى عاقبه . ولما أشبه ذلك اختيار المختبر قال ليبلوكم ، يريد ليفعل بكم ما يفعل المبتلى لأحوالكم كيف تعلمون . فإن قلت : كيف جاز تعليق فعل البلوى ؟ قلت : لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إليه فهو ملابس له . كما تقول : أنظر أيهم أحسن وجها واسمع أيهم أحسن صوتا ، لأن النظر والاستماع من طرق العلم .