فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا
ومتعناهم إلى حين . ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره
الناس حتى يكونوا مؤمنين . وما كان لنفس أن تؤمن
شرح
( فنفعها إيمانها ) بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار . وقرأ أبى الله فهلا كانت ( إلا قوم يونس )
استثناء من القرى لأن المراد أهاليها وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا ، ويجوز أن يكون متصلا
والجملة في معنى النفي كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس ، وانتصابه على أصل الاستثناء .
وقرئ بالرفع على البدل ، هكذا روى عن الجرمي والكسائي . روى أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من
أرض الموصل فكذبوه ، فذهب عنهم مغاضبا ، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين
ليلة . وقيل قال لهم يونس : إن أجلكم أربعون ليلة ، فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ، فلما مضت خمس
وثلاثون أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسود سطوحهم ،
فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب
وأولادها ، فحن بعضها على بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم الله
وكشف عنهم ، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة . وعن ابن مسعود ( بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل
كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده ) وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا : قد نزل بنا
العذاب فما ترى ؟ فقال لهم : قولوا : يا حي حين لا حي ، ويا حي محيي الموتى ، ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها
فكشف عنهم . وعن الفضيل بن عياض قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل ،
افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله ( ولو شاء ربك ) مشيئة القسر والإلجاء ( لآمن من في الأرض كلهم )
على وجه الإحاطة والشمول ( جميعا ) مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه إلا يختلفون فيه ، إلا ترى إلى قولهم ( أفأنت
تكره الناس ) يعنى إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت ، وإيلاء الاسم حرف الاستفهام
للاعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه ، وإنما الشأن في المكره من هو ؟ وما هو إلا وحده لا يشارك فيه لأنه هو
القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان ، وذلك غير مستطاع للبشر ( وما كان لنفس ) يعنى من