تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين . ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين . وما كان لنفس أن تؤمن
شرح
( فنفعها إيمانها ) بأن يقبله الله منها لوقوعه في وقت الاختيار . وقرأ أبى الله فهلا كانت ( إلا قوم يونس ) استثناء من القرى لأن المراد أهاليها وهو استثناء منقطع بمعنى ولكن قوم يونس لما آمنوا ، ويجوز أن يكون متصلا والجملة في معنى النفي كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس ، وانتصابه على أصل الاستثناء . وقرئ بالرفع على البدل ، هكذا روى عن الجرمي والكسائي . روى أن يونس عليه السلام بعث إلى نينوى من أرض الموصل فكذبوه ، فذهب عنهم مغاضبا ، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب فلبسوا المسوح وعجوا أربعين ليلة . وقيل قال لهم يونس : إن أجلكم أربعون ليلة ، فقالوا : إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك ، فلما مضت خمس وثلاثون أغامت السماء غيما أسود هائلا يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى مدينتهم ويسود سطوحهم ، فلبسوا المسوح وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين النساء والصبيان وبين الدواب وأولادها ، فحن بعضها على بعض وعلت الأصوات والعجيج وأظهروا الإيمان والتوبة وتضرعوا فرحمهم الله وكشف عنهم ، وكان يوم عاشوراء يوم الجمعة . وعن ابن مسعود ( بلغ من توبتهم أن ترادوا المظالم حتى إن الرجل كان يقتلع الحجر وقد وضع عليه أساس بنائه فيرده ) وقيل خرجوا إلى شيخ من بقية علمائهم فقالوا : قد نزل بنا العذاب فما ترى ؟ فقال لهم : قولوا : يا حي حين لا حي ، ويا حي محيي الموتى ، ويا حي لا إله إلا أنت فقالوها فكشف عنهم . وعن الفضيل بن عياض قالوا : اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل ، افعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله ( ولو شاء ربك ) مشيئة القسر والإلجاء ( لآمن من في الأرض كلهم ) على وجه الإحاطة والشمول ( جميعا ) مجتمعين على الإيمان مطبقين عليه إلا يختلفون فيه ، إلا ترى إلى قولهم ( أفأنت تكره الناس ) يعنى إنما يقدر على إكراههم واضطرارهم إلى الإيمان هو لا أنت ، وإيلاء الاسم حرف الاستفهام للاعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه ، وإنما الشأن في المكره من هو ؟ وما هو إلا وحده لا يشارك فيه لأنه هو القادر على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان ، وذلك غير مستطاع للبشر ( وما كان لنفس ) يعنى من
الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 254 | الزمخشري