واعلموا أن الله مع المتقين . إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا
يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم
سوء أعمالهم والله لا يهدى الكافرين . يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل
لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة
شرح
حال من الفاعل أو المفعول ( مع المتقين ) ناصر لهم ، حثهم على التقوى بضمان النصر لأهلها . والنسئ : تأخير
حرمة الشهر إلى شهر آخر ، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات ، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق
عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر حتى رفضوا تحصيص الأشهر الحرم بالتحريم ، فكانوا
يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر ، وذلك قوله تعالى ( ليواطئوا عدة ما حرم الله ) أي ليوافقوا العدة التي هي
الأربعة ولا يخالفوها ، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين ، وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها
ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ، ولذلك قال عز وعلا - إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا - يعنى
من غير زيادة زادوها . والضمير في يحلونه ويحرمونه للنسئ : أي إذا أحلوا شهرا من الأشهر الحرم عاما رجعوا
فحرموه في العام القابل . يروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة ، وكان جنادة بن
عوف الكناني مطاعا في الجاهلية ، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته : إن آلهتكم قد أحلت لكم
المحرم فأحلوه ، ثم يقوم في القابل فيقول : إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه ، جعل النسئ زيادة في الكفر
لأن الكفار كلما أحدث معصية ازداد كفرا - فزادتهم رجسا إلى رجسهم - كما أن المؤمن إذا أحدث طاعة ازداد
إيمانا - فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون - وقرئ يضل على البناء للمفعول ، ويضل بفتح الياء والضاد ، ويضل على
أن الفعل لله عز وجل . وقرأ الزهري ليوطئوا بالتشديد ، والنسئ مصدر نسأه إذا أخره ، يقال نسأه نسأ ونساء
ونسيئا كقولك مسه مسا ومساسا ومسيسا . وقرئ بهن جميعا . وقرئ النسى بوزن الندى ، والنسى بوزن النهى
وهما تخفيف النسئ والنسء . فإن قلت : ما معنى قوله ( فيحلوا ما حرم الله ) ؟ قلت : معناه فيحلوا بموطأة العدة
وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها ( زين لهم سوء أعمالهم ) خذلهم
الله فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة ( والله لا يهدى ) أي لا يلطف بهم بل يخذلهم . وقرئ " زين لهم سوء أعمالهم " على
البناء للفاعل وهو الله عز وجل ( اثاقلتم ) تثاقلتم وبه قرأ الأعمش : أي تباطأتم وتقاعستم ، وضمن معنى الميل
والإخلاد فعدى بإلى . والمعنى : ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ونحوه - أخلد إلى الأرض
واتبع هواه - وقيل ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم . وقرئ أثاقلتم على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ .
فإن قلت : فما العامل في إذا وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه ؟ قلت : ما دل عليه قوله اثاقلتم أو ما في مالكم
من معنى الفعل كأنه قيل : ما تصنعون إذا قيل لكم كما تعمله في الحال إذا قلت مالك قائما ، وكان ذلك في غزوة
تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو