تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
واعلموا أن الله مع المتقين . إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدى الكافرين . يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة
شرح
حال من الفاعل أو المفعول ( مع المتقين ) ناصر لهم ، حثهم على التقوى بضمان النصر لأهلها . والنسئ : تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب وغارات ، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة فيحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر حتى رفضوا تحصيص الأشهر الحرم بالتحريم ، فكانوا يحرمون من شق شهور العام أربعة أشهر ، وذلك قوله تعالى ( ليواطئوا عدة ما حرم الله ) أي ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها ، وقد خالفوا التخصيص الذي هو أحد الواجبين ، وربما زادوا في عدد الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ، ولذلك قال عز وعلا - إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا - يعنى من غير زيادة زادوها . والضمير في يحلونه ويحرمونه للنسئ : أي إذا أحلوا شهرا من الأشهر الحرم عاما رجعوا فحرموه في العام القابل . يروى أنه حدث ذلك في كنانة لأنهم كانوا فقراء محاويج إلى الغارة ، وكان جنادة بن عوف الكناني مطاعا في الجاهلية ، وكان يقوم على جمل في الموسم فيقول بأعلى صوته : إن آلهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلوه ، ثم يقوم في القابل فيقول : إن آلهتكم قد حرمت عليكم المحرم فحرموه ، جعل النسئ زيادة في الكفر لأن الكفار كلما أحدث معصية ازداد كفرا - فزادتهم رجسا إلى رجسهم - كما أن المؤمن إذا أحدث طاعة ازداد إيمانا - فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون - وقرئ يضل على البناء للمفعول ، ويضل بفتح الياء والضاد ، ويضل على أن الفعل لله عز وجل . وقرأ الزهري ليوطئوا بالتشديد ، والنسئ مصدر نسأه إذا أخره ، يقال نسأه نسأ ونساء ونسيئا كقولك مسه مسا ومساسا ومسيسا . وقرئ بهن جميعا . وقرئ النسى بوزن الندى ، والنسى بوزن النهى وهما تخفيف النسئ والنسء . فإن قلت : ما معنى قوله ( فيحلوا ما حرم الله ) ؟ قلت : معناه فيحلوا بموطأة العدة وحدها من غير تخصيص ما حرم الله من القتال أو من ترك الاختصاص للأشهر بعينها ( زين لهم سوء أعمالهم ) خذلهم الله فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة ( والله لا يهدى ) أي لا يلطف بهم بل يخذلهم . وقرئ " زين لهم سوء أعمالهم " على البناء للفاعل وهو الله عز وجل ( اثاقلتم ) تثاقلتم وبه قرأ الأعمش : أي تباطأتم وتقاعستم ، وضمن معنى الميل والإخلاد فعدى بإلى . والمعنى : ملتم إلى الدنيا وشهواتها وكرهتم مشاق السفر ومتاعبه ونحوه - أخلد إلى الأرض واتبع هواه - وقيل ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم . وقرئ أثاقلتم على الاستفهام الذي معناه الإنكار والتوبيخ . فإن قلت : فما العامل في إذا وحرف الاستفهام مانعة أن يعمل فيه ؟ قلت : ما دل عليه قوله اثاقلتم أو ما في مالكم من معنى الفعل كأنه قيل : ما تصنعون إذا قيل لكم كما تعمله في الحال إذا قلت مالك قائما ، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو