تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين . كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون . اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون . لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم
شرح
عهد عند رسول الله صلى عليه وسلم وهم أضداد وغرة صدورهم : يعنى محال أن يثبت لهؤلاء عهد فلا تطعموا في ذلك ولا تحدثوا به نفوسكم ولا تفكروا في قتلهم . ثم استدرك ذلك بقوله ( إلا الذين عاهدتم ) أي ولكن الذين عاهدتم منهم ( عند المسجد الحرام ) ولم يظهر منهم نكث كبنى كنانة وبنى ضمرة فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم ( فما استقاموا لكم ) على العهد ( فاستقيموا لهم ) على مثله ( إن الله يحب المتقين ) يعنى أن التربص بهم من أعمال المتقين ( كيف ) تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد ، وحذف الفعل لكونه معلوما كما قال : وخبر تمانى أنما الموت بالقرى * فكيف وهاتا هضبة وقليب يريد فكيف مات : أي كيف يكون لهم عهد ( و ) حالهم أنهم ( إن يظهروا عليكم ) بعد ما سبق لهم من تأكيد الإيمان والمواثيق لم ينظروا في حلف ولا عهد ولم يبقوا عليكم ( لا يرقبوا فيكم إلا ) لا يراعوا حلفا ، وقيل قرابة ، وأنشد لحسان رضي الله عنه : لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام وقيل إلا إلها . وقرئ إيلا بمعناه ، وقيل جبرئيل وجبرئل من ذلك ، وقيل منه اشتق الإل بمعنى القرابة كما اشتقت الرحم من الرحمن ، والوجه أن اشتقاق الإل بمعنى الحلف لأنهم إذا تماسحوا وتحالفوا رفعوا به أصواتهم وشهروه من الإل وهو الجؤار ، وله أليل : أي أنين يرفع به صوته ، ودعت إليها : إذا ولو لت ، ثم قيل لكل عهد وميثاق إل ، وسميت به القرابة لأن القرابة عقدت بين الرجلين ما لا يعقده الميثاق ( يرضونكم ) كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الظاهر الباطن مقرر لاستبعاد الثبات منهم على العهد . وإباء القلوب : مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل ( وأكثرهم فاسقون ) متمردون خلعاء لا مروءة تزعهم ولا شمائل مرضية تردعهم ، كما يوجد ذلك في بعض الكفرة من التفادي عن الكذب والنكث والتعفف عما يثلم الغرض ويجر أحدوهة السوء ( اشتروا ) استبدلوا ( بآيات الله ) بالقرآن والإسلام ( ثمنا قليلا ) وهو اتباع الأهواء والشهوات ( فصدوا عن سبيله ) فعدلوا عنه أو صرفوا غيرهم ، وقيل هم الأعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطمعهم ( هم