أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين . قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم
ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب
الله على من يشاء والله عليم حكيم . أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين
جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير
بما تعملون . ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله
شرح
صدموكم . ونجهم بترك مقاتلتهم وحضهم عليها ، ثم وصفهم بما يوجب الحض عليها ، ويقرر أن من كان في مثل
صفاتهم من نكث العهد وإخراج الرسول والبدء بالقتال من غير موجب حقيق بأن لا تترك مصادمته وأن يوبخ من
فرط فيها ( أتخشونهم ) تقرير بالخشية منهم وتوبيخ عليها ( فالله أحق أن تخشوه ) فتقاتلوا أعداءه ( إن كنتم مؤمنين )
يعنى أن قضية الإيمان الصحيح أن لا يخشى المؤمن إلا ربه ولا يبالي بمن سواه كقوله تعالى - ولا يخشون أحدا إلا
الله - . ولما وبخهم الله على ترك القتال جرد لهم الأمر به فقال ( قاتلوهم ) ووعدهم ليثبت قلوبهم ويصحح ونياتهم أنه
يعذبهم بأيديهم قتلا ويخزيهم أسرا ويوليهم النصر والغلبة عليهم ( ويشف صدورهم ) طائفة من المؤمنين وهم خزاعة .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم بطون من اليمن وسبأ قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذى شديدا ، فبعثوا
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكون إليه ، فقال : أبشروا فإن الفرج قريب ( ويذهب غيظ ) قلوبكم لما
لقيتم منهم من المكروه ، وقد حصل الله لهم هذه المواعيد كلها فكان ذلك دليلا على صدق رسول الله صلى الله عليه
وسلم وصحة نبوته ( ويتوب الله على من يشاء ) ابتداء كلام وإخبار بأن بعض أهل مكة يتوب عن كفره ، وكان
ذلك أيضا فقد أسلم ناس منهم وحسن إسلامهم . وقرئ ويتوب بالنصب بإضمار أن ودخول التوبة في جملة ما أجيب
به الأمر من طريق المعنى ( والله عليم ) يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان ( حكيم ) لا يفعل إلا ما اقتضته الحكمة
( أم ) منقطعة ، ومعنى الهمزة فيها التوبيخ على وجود الحسبان ، والمعنى : أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى
يتبين الخلص منكم وهم الذين جاهدوا في سبيل الله لوجه الله ولم يتخذوا وليجة : أي بطانة من الذين يضادون
رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين رضوان الله عليهم ( ولما ) معناها التوقع ، وقد دلت على أن تبين ذلك
وإيضاحه متوقع كائن ، وأن الذين لم يخلصوا دينهم لله يميز بينهم وبين المخلصين ، وقوله ( ولم يتخذوا ) معطوف
على جاهدوا داخل في حيز الصلة كأنه قيل : ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من
دون الله ، والوليجة فعيلة من ولج كالدخيلة من دخل ، والمراد بنفي العلم نفى المعلوم كقول القائل : ما علم الله منى
ما قيل في ، يريد ما وجد ذلك منى ( ما كان للمشركين ) ما صح لهم وما استقام ( أن يعمروا مسجد الله ) يعنى
المسجد الحرام لقوله - وعمارة المسجد الحرام - وأما القراءة بالجمع ففيها وجهان : أحدهما أن يراد المسجد الحرام ،
وإنما قيل مساجد لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها ، فعامره كعامر جميع المساجد ، ولأن كل بقعة منه مسجد . والثاني
أن يراد جنس المساجد ، وإذا لم يصلحوا لأن يعمروا جنسها دخل تحت ذلك أن لا يعمروا المسجد الحرام الذي هو
صدر الجنس ومعدمته ، وهو آكد لأن طريقته طريقة الكناية كما لو قلت فلان لا يقرأ كتب الله كنت أنفى لقراءته