تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم فيها خالدون . إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة
شرح
القرآن من تصريح بذلك ، و ( شاهدين ) حال من الواو في يعمروا . والمعنى : ما استقام لهم أن يجمعوا بين أمرين متنافيين عمارة متعبدات الله مع الكفر بالله وبعبادته . ومعنى شهادتهم على أنفسهم بالكفر ظهور كفرهم ، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت وكانوا يطوفون عراة ويقولون : لا نطوف عليها بثياب قد أصبنا فيها المعاصي وكلما طافوا بها شوطا سجدوا لها . وقيل هو قولهم : لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك . وقيل قد أقبل المهاجرون والأنصار على أسارى بدر فعيروهم بالشرك ، فطفق علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوبخ العباس بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقطيعة الرحم وأغلظ له في القول ، فقال العباس : تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا ؟ فقال : أولكم محاسن ؟ قالوا نعم ، ونحن أفضل منكم أجرا ، إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب الكعبة ونسقى الحجيج ونفك العاني ، فنزلت ( حبطت أعمالهم ) التي هي العمارة والحجابة والسقاية وفك العناة ، وإذا هدم الكفر أو الكبيرة الأعمال الثابتة الصحيحة إذا تعقبها فما ظنك بالمقارن ، وإلى ذلك أشار في قوله - شاهدين - حيث جعله حالا عنهم ، ودل على أنهم قارنون بين العمارة والشهادة بالكفر على أنفسهم في حال واحدة ، وذلك محال غير مستقيم ( إنما يعمر مساجد الله ) وقرئ بالتوحيد : أي إنما تستقيم عمارة هؤلاء وتكون معتدا بها ، والعمارة تتناول رم ما استرم منها وقمها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر ، ومن الذكر درس العلم بل هو أجله وأعظمه وصيانتها مما لم تبن له المساجد من أحاديث الدنيا فضلا عن فضول الحديث . وعن النبي صلى الله عليه وسلم " يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد فيقعدون فيها حلقا ذكرهم الدنيا وجب الدنيا ، ولا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة " وفي الحديث " الحديث في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل البهيمة الحشيش " وقال عليه الصلاة والسلام " قال الله تعالى : إن بيوتي في أرضى المساجد ، وإن زواري فيها عمارها ، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني في بيتي ، فحق على المزور أن يكرم زائره " وعنه عليه الصلاة والسلام " من " ألف المساجد ألفه الله " . وقال عليه الصلاة والسلام " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان " وعن أنس رضي الله عنه : " من أسرج في مسجد سراجا لم تزل الملائكة وجملة العرش تستغفر له ما دام في ذك المسجد