تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وإما ينزغنك ممن الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم . إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون . وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون . واذكر ربك
شرح
الصادق أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ( وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ) وإما ينخسنك منه نخس بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به ( فاستعذ بالله ) ولا تطعه ، والنزغ والنسغ : الغرز والنخس ، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي ، وجعل النزغ نازغا كما قيل جد جده . وروى " أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يا رب والغضب ؟ فنزل - وإما ينزغنك من الشيطان نزغ - " ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب كقول أبى بكر رضي الله عنه : إن لي شيطانا يعتريني ( طيف ممن الشيطان ) لمة منه مصدر ، من قولهم طاف به الخيال يطيف طيفا قال : * أنى ألم بك الخيال يطيف * أو هو تخفيف طيف فيعل من طاف يطيف كلين ، أو من طاف يطوف كهن . وقرئ طائف وهو يحتمل الأمرين أيضا ، وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان ، وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته ( تذكروا ) ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه أنفسهم . وأما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين فإن الشياطين يمدونهم في الغى : أي يكونون مددا لهم فيه ويعضدونهم . وقرئ يمدونهم من الإمداد ، ويمادونهم بمعنى يعاونونهم ( ثم لا يقصرون ) ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا ، وقوله وإخوانهم يمدونهم كقوله * قوم إذا الخيل جالوا في كواثبها * في أن الخبر جار على ما هو له ، ويجوز أن يراد بالإخوان الشياطين ، ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين فيكون الخبر جاريا على ما هو له ، والأول أوجه لأن إخوانهم في مقابلة الذين اتقوا . فإن قلت : لم جمع الضمير في إخوانهم والشيطان مفرد ؟ قلت : المراد به الجنس كقوله - أولياؤهم الطاغوت - اجتبى الشئ بمعنى جباه لنفسه : أي جمعه كقولك اجتمعه ، أو جبى إليه فاجتباه : أي أخذه كقولك : جليت إليه العروس فاجتلاها ومعنى ( لولا اجتبيتها ) هلا اجتمعتها افتعالا من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون - إن هذا إلا إفك مفترى - أو هلا أخذتها منزلة عليك مقترحة ( قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى ) ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها ( هذا بصائر ) هذا القرآن بصائر ( من ربكم ) أي حجج بينة يعود المؤمنون بها بصراء بعد العمى ، أو هو بمنزلة بصائر القلوب ( إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) ظاهره وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة ، وقيل كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن ، وقيل معناه : وإذا تلا عليكم الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له . وقيل معنى فاستمعوا له : فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه ( واذكر ربك في