وإما ينزغنك ممن الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم . إن الذين اتقوا إذا
مسهم طيف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون . وإخوانهم يمدونهم في الغى
ثم لا يقصرون . وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى
إلى من ربى هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون . وإذا قرئ القرآن
فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون . واذكر ربك
شرح
الصادق أمر الله نبيه عليه الصلاة والسلام بمكارم الأخلاق ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها ( وإما
ينزغنك من الشيطان نزغ ) وإما ينخسنك منه نخس بأن يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به ( فاستعذ بالله ) ولا
تطعه ، والنزغ والنسغ : الغرز والنخس ، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي ، وجعل النزغ نازغا كما
قيل جد جده . وروى " أنها لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يا رب والغضب ؟ فنزل - وإما
ينزغنك من الشيطان نزغ - " ويجوز أن يراد بنزغ الشيطان اعتراء الغضب كقول أبى بكر رضي الله عنه : إن لي
شيطانا يعتريني ( طيف ممن الشيطان ) لمة منه مصدر ، من قولهم طاف به الخيال يطيف طيفا قال :
* أنى ألم بك الخيال يطيف * أو هو تخفيف طيف فيعل من طاف يطيف كلين ، أو من طاف يطوف كهن .
وقرئ طائف وهو يحتمل الأمرين أيضا ، وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ
الشيطان ، وأن المتقين هذه عادتهم إذا أصابهم أدنى نزغ من الشيطان وإلمام بوسوسته ( تذكروا ) ما أمر الله به
ونهى عنه فأبصروا السداد ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يتبعوه أنفسهم . وأما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين
فإن الشياطين يمدونهم في الغى : أي يكونون مددا لهم فيه ويعضدونهم . وقرئ يمدونهم من الإمداد ، ويمادونهم
بمعنى يعاونونهم ( ثم لا يقصرون ) ثم لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا ، وقوله وإخوانهم
يمدونهم كقوله * قوم إذا الخيل جالوا في كواثبها * في أن الخبر جار على ما هو له ، ويجوز أن يراد بالإخوان
الشياطين ، ويرجع الضمير المتعلق به إلى الجاهلين فيكون الخبر جاريا على ما هو له ، والأول أوجه لأن إخوانهم
في مقابلة الذين اتقوا . فإن قلت : لم جمع الضمير في إخوانهم والشيطان مفرد ؟ قلت : المراد به الجنس كقوله
- أولياؤهم الطاغوت - اجتبى الشئ بمعنى جباه لنفسه : أي جمعه كقولك اجتمعه ، أو جبى إليه فاجتباه : أي
أخذه كقولك : جليت إليه العروس فاجتلاها ومعنى ( لولا اجتبيتها ) هلا اجتمعتها افتعالا من عند نفسك لأنهم
كانوا يقولون - إن هذا إلا إفك مفترى - أو هلا أخذتها منزلة عليك مقترحة ( قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى )
ولست بمفتعل للآيات أو لست بمقترح لها ( هذا بصائر ) هذا القرآن بصائر ( من ربكم ) أي حجج بينة يعود
المؤمنون بها بصراء بعد العمى ، أو هو بمنزلة بصائر القلوب ( إذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا ) ظاهره
وجوب الاستماع والإنصات وقت قراءة القرآن في صلاة وغير صلاة ، وقيل كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت
ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم إذا كانوا في مجلس يقرأ فيه القرآن ، وقيل معناه : وإذا تلا عليكم
الرسول القرآن عند نزوله فاستمعوا له . وقيل معنى فاستمعوا له : فاعملوا بما فيه ولا تجاوزوه ( واذكر ربك في