تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — صفحة 644

مساهمون:

ص٦٤٤
يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ، ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم
شرح
في قوله بشئ من الصيد ؟ قلت : قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال ، وإنما هو شبيه بما ابتلي به أهل أيلة من صيد السمك ، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده فكيف شأنهم عندما هو أشد منه ، وقرأ إبراهيم يناله بالياء ( حرم ) محرمون جمع حرام كردح في جمع رداح . والتعمد أن يقتله وهو ذاكر لاحرامه أو عالم أن ما يقتله مما يحرم عليه قتله ، فإن قتله وهو ناس لاحرامه أو رمى صيدا وهو يظن أنه ليس بصيد فإذا هو صيد ، أو قصد برميه غير صيد فعدل السهم عن رميته فأصاب صيدا فهو مخطئ . فإن قلت : فمحظورات الاحرام يستوي فيها العمد والخطأ ، فما بال التعمد مشروطا في الآية ؟ قلت : لان مورد الآية فيمن تعمد ، فقد روي أنه عن لهم في عمرة الحديبية حمار وحش فحمل عليه أبو اليسر فطعنه برمحه فقتله ، فقيل له : إنك قتلت الصيد وأنت محرم فنزلت ، ولان الأصل فعل التعمد والخطأ لاحق به للتغليظ ، ويدل عليه قوله تعالى - ليذوق وبال أمره ومن عاد فينتقم الله منه - وعن الزهري نزل الكتاب بالعمد ووردت السنة بالخطأ . وعن سعيد بن جبير : ولا أرى في الخطأ شيئا أخذا باشتراط العمد في الآية . وعن الحسن روايتان ( فجزاء مثل ما قتل ) برفع جزاء ومثل جميعا بمعنى فعليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد . وهو عند أبي حنيفة قيمة المصيد يقوم حيث صيد ، فإن بلغت قيمته ثمن هدي تخير بين أن يهدي من النعم ما قيمته قيمة الصيد ، وبين أن يشتري بقيمته طعاما فيعطى كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعا من غيره ، وإن شاء صام عن طعام كل مسكين يوما ، فإن فضل ما لا يبلغ طعام مسكين صام عنه يوما أو تصدق به . وعند محمد والشافعي رحمهما الله مثله نظيره من النعم فإن لم يوجد له نظير من النعم عدل إلى قول أبي حنيفة رحمه الله . فإن قلت : فما يصنع من يفسر المثل بالقيمة بقوله ( من النعم ) وهو تفسير للمثل وبقوله هديا بالغ الكعبة ؟ قلت : قد خير من أوجب القيمة بين أن يشتري بها هديا أو طعاما أو يصوم كما خير الله تعالى في الآية ، فكان قوله من النعم بيانا للهدي المشترى بالقيمة في أحد وجوه التخيير ، لان من قوم الصيد واشترى بالقيمة هديا فأهداه فقد جزى بمثل ما قتل من النعم ، على أن التخيير الذي في الآية بين أن يجزي بالهدي أو يكفر بالاطعام أو بالصوم إنما يستقيم استقامة ظاهرة بغير تعسف إذا قوم ونظر بعد التقويم أي الثلاثة يختار ، فأما إذا عمد إلى النظير وجعله الواجب وحده من غير تخيير ، فإذا كان شيئا لا نظير له قوم حينئذ ، ثم يخير بين الاطعام والصوم ففيه نبو عما في الآية . ألا ترى إلى قوله تعالى - أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما - كيف خير بين الأشياء الثلاثة ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتقويم . وقرأ عبد الله فجزاؤه مثل ما قتل ، وقرئ فجزاء مثل ما قتل على الإضافة ، وأصله فجزاء مثل ما قتل بنصب مثل بمعنى فعليه أن يجزى مثل ما قتل ،