المصادفة وعدم وجوب الاحتياط في مورد المخالفة ، فأين التضاد ؟
هذا كله إذا كانت مصلحة الواقع تقتضي جعل المتمم : من ايجاب
الاحتياط . وإن لم تكن المصلحة الواقعية تقتضي ذلك ولم تكن بتلك المثابة من
الأهمية بحيث يلزم للشارع رعايتها كيفما اتفق ، فللشارع جعل المؤمن ، كان
بلسان الرفع ، كقوله صلى الله عليه وآله - " رفع ما لا يعلمون " ، أو
بلسان الوضع كقوله - صلى الله عليه وآله - " كل شئ لك حلال " فان
المراد من الرفع في قوله - صلى الله عليه وآله - " رفع ما لا يعلمون " ليس رفع
التكليف عن موطنه حتى يلزم التناقض ، بل رفع التكليف عما يستتبعه من
التبعات وايجاب الاحتياط ، فالرخصة المستفادة من قوله - صلى الله عليه وآله - :
" رفع ما لا يعلمون " نظير الرخصة المستفادة من حكم العقل بقبح العقاب بلا
بيان ، فكما أن الرخصة التي تستفاد من حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لا
تنافى الحكم الواقعي ولا تضاده ، كذلك الرخصة التي تستفاد من قوله
- عليه السلام - " رفع ما لا يعلمون " والسر في ذلك : هو أن هذه الرخصة تكون
في طول الحكم الواقعي ومتأخر رتبتها عنه ( 1 ) لأن الموضوع فيها هو الشك
هامش
( 1 ) أقول : يا للعجب ! قد تقدم منه أن مجرد طولية الحكم الظاهري للواقع غير مجد في رفع التضاد ، لأن
الحكم الواقعي بنتيجة الإطلاق يشمل مرتبة الحكم الظاهري ، فكيف في المقام التزم بكفاية الطولية في رفع
التضاد . وكيف كان : الذي يقتضيه التحقيق في المقام أن يقال : إن طولية الحكمين على نحوين :
أحدهما : طولية الحكمين في ذات واحدة محفوظة في مرتبة نفسه ، كما هو الشأن في عنوان الخمر ومشكوك
الخمرية .
وثانيهما : طولية الحكمين الثابتين للذاتين في رتبتين - كما هو الشأن في فرض الجهل بالحكم من الجهات
التعليلية لطرو الحكم الظاهري على الذات - فإنه حينئذ يرى الذات في رتبتين ، بخلاف ما كان الجهل من
الجهات التقييدية لأن الذات في هذه الصورة لا يرى إلا في رتبة واحدة موضوعا لحكمين طوليين ، وحينئذ الذي يثمر
لرفع التضاد هو الطولية بالمعنى الثاني دون الأول ، والسر فيه : أن الذات في الصورة لما كان واحدا لا يتحمل
لحكمين ولو طوليين متماثلين أو متضادين .
وأما في فرض أخذ الذات في رتبتين فلا يرى حينئذ إلا ذاتين ، وحيث إن معروض الحكم في كلية
المقامات هو نفس العنوان لا المعنون ، فوحدة المعنون لا يضر بتعدد الحكم لكل منهما بعنوان غير الآخر . ولقد
أبسطنا الكلام في مسألة التجري ، وبهذا البيان أيضا رفعنا هناك التضاد بين قبح التجري وحسن الواقع ، كما
عرفت ، فتدبر في المقام فإنه من مزال الأقدام .