تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوائد الأصول من إفادات الميرزا محمد حسين الغروي النائيني — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
إلى وجوبه فالاحتياط إنما يكون واجبا نفسيا للغير لا واجبا بالغير ، ولذا كان العقاب على مخالفة التكليف بالاحتياط عند تركه وإدائه إلى مخالفة الحكم الواقعي ، لا على مخالفة الواقع ، لقبح العقاب عليه مع عدم العلم به ، كما أوضحناه بما لا مزيد عليه في خاتمة الاشتغال . فان قلت : إن ذلك يقتضى صحة العقوبة على مخالفة الاحتياط صادف الواقع أو خالفه ، لأن المفروض كونه واجبا نفسيا وإن كان الغرض من وجوبه هو الوصلة إلى الأحكام الواقعية وعدم الوقوع في مفسدة مخالفتها ، إلا أن تخلف الغرض لا يوجب سقوط الخطاب ، فلو خالف المكلف الاحتياط وأقدم على قتل المشتبه وصادف كونه مهدور الدم كان اللازم استحقاقه للعقوبة ، لأنه قد خالف تكليفا نفسيا . قلت : فرق بين علل التشريع وعلل الأحكام ، والذي لا يضر تخلفه ولا يدور الحكم مداره هو الأول ، لأنها تكون حكمة لتشريع الأحكام ، فيمكن أن يكون تحقق الحكمة في مورد علة لتشريع حكم كلي ، وأما علة الحكم ، فالحكم يدور مدارها ولا يمكن أن يتخلف عنها - كما أوضحناه في محله - ولا إشكال أن الحكم بوجوب حفظ نفس المؤمن علة للحكم بالاحتياط ( 1 )
هامش
( 1 ) أقول : بعدما كان الحكم الواقعي علة لتشريع الاحتياط ، فمع انتفائه ينتفى تشريع الاحتياط ، وعليه : ففي كل مورد يرد عليه الأمر بالاحتياط يتردد المكلف بين تشريع الاحتياط وعدمه ، ولازمه ترديده بكون الأمر به حقيقيا أم صوريا ، ومع هذا الترديد كيف يدعوه هذا الأمر على الاحتياط ؟ وعليه : فلا يكون هذا الأمر موجبا للعقوبة على مخالفة نفسه أو مخالفة الواقع ، وهذه الشبهة جارية في جميع الأوامر الطريقية . ولنا لحل هذا الإشكال مسلكان : أحدهما أن يقال : إن المصلحة إذا كانت مهمة بنحو لا يجوز منه المولى حتى في ظرف الجهل بها ، فقهرا الإرادة المتعلقة به وأمره يكون تبعا لهذا الاهتمام ، ومثل هذه الإرادة والأمر نفس احتماله منجز عقلا وخارج من موضوع قبح العقاب بلا بيان ، وأن الأمر الطريقي كاشف عن هذا الاهتمام ، ولذا يكون منجزا للواقع عند المطابقة ، كما أن مخالفته كاشفة عن عدم الاهتمام به ، خصوصا مع ترخيصه على خلافه ، فيكون موجبا لعذره حتى مع فرض انفتاح بابه . وثانيهما : أن شأن الأوامر الطريقية بعد ما كان إبرازا للإرادة الواقعية في ظرف الجهل بها ، فمع احتمال الواقع كان الواقع ملازما مع البيان للواقع ، ومع هذا الاحتمال لا يبقى مجال لحكم العقل بقبح العقاب ، إذ موضوعه صورة الجزم بعدم البيان ، وحينئذ فشأن الأوامر الطريقية رفع موضوع حكم العقل ، فيكون واردا عليه . فان قلت : إنه في ظرف وجود الواقع نقطع بوجوده ، ولو كان هذا المقدار من البيان الاحتمالي كافيا ، يلزم عدم جريان القاعدة في كل تكليف مشكوك ولو لم يكن في البين جعل طريق ، وهو كما ترى . قلت : لا يخفى أن العلم بوجود الواقع في ظرف وجود المشكوك لا يكون منوطا بوجود الواقع خارجا كي يصير مشكوكا ، بل العلم الفعلي الوجداني ينوط بوجود الواقع لحاظا ، فلا يتصور في مثله الجهل بوجود العلم ، كي يكون المورد من باب احتمال البيان ، بل العلم الوجداني منوط بوجود المشكوك لحاظا حاصل فعلا ، ومثل هذا العلم لا يكون لدى العقل بيانا أصلا ، ففي مورده نقطع بعدم البيان ، بخلاف الأوامر الطريقية ، حيث إن بيانيته منوط بوجود الواقع خارجا ، فكان البيان فيه مشكوكا ، بخلاف فرض العلم ، كما لا يخفى .