تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
البحرين ، فكتب إليه عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه يأمره بالقدوم عليه هو وعمّاله ، وأن يستخلفوا جميعا . فلما قدمنا أتيت يرفأ فقلت : يا يرفأ ، مسترشد وابن سبيل ، أيّ الهيئات أحبّ إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله ؟ فأومأ إلى الخشونة ، فاتّخذت خفّين مطارقين ، ولبست جبّة صوف ، ولثت عمامتي على رأسي ، فدخلنا على عمر ، فصفنّا بين يديه ، فصعّد فينا وصوّب ، فلم تأخذ عينه أحدا غيري ؛ فدعاني فقال : من أنت ؟ قلت : الربيع بن زياد الحارثيّ . قال : وما تتولَّى ؟ قلت : البحرين . قال : كم ترزق ؟ قلت : ألفا ، قال : كثير ! فما تصنع به ؟ قلت : أتقوّت منه شيئا وأعود به على أقارب لي ، فما فضل منهم فعلى فقراء المسلمين . قال : فلا بأس ، ارجع إلى موضعك . فرجعت إلى موضعي من الصفّ ، فصعّد فينا بصره وصوّب ، فلم تقع عينه إلا عليّ ، فدعاني وقال : كم سنّك ؟ قلت : خمس وأربعون قال : الآن حين استحكمت . ثم دعا بالطعام ، وأصحابي حديث عهدهم بلين العيش ، فأتي بخبز يابس وأكسار بعير . فجعل أصحابي يعافون ذلك ، وجعلت آكل فأجيد ، فجعلت أنظر إليه يلحظني من بينهم . ثم سبقت مني كلمة تمنّيت أنّي سخت في الأرض معها ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إنّ الناس محتاجون إلى صلاحك ، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا ، فزجرني وقال : كيف قلت ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أن ينظر إلى قوتك من الطحين فيخبز لك قبل إرادتك إيّاه بيوم ، ويطبخ لك اللحم كذلك ، فتؤتى بالخبز لينا وباللحم غريضا . فسكَّن من غربه ، فقال : أها هنا عزب ؟ فقلت : نعم ، فقال : يا ربيع ، إنّا لو نشاء لملأنا هذه الرحاب من صلائق وسبائك وصناب ، ولكني رأيت اللَّه عزّ وجلّ نعى على قوم شهواتهم فقال : * ( أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها ) * ( الأحقاف : 20 ) ، ثم أمر أبا موسى بإقراري وأن يستبدل بأصحابي . غريب هذا الخبر . السبائك : الرّقاق ، يريد ما يسبك من الدقيق . والصلائق : ما عمل بالنار طبخا وشيّا . والصّناب : صباغ يتّخذ من الخردل والزبيب ، ومن ذلك قيل