أرسلني ، يا بحيرا أرسلني ، فإني أموت إن أمسكتموني . قال عبد اللَّه : وضبطته فمات في يدي مكانه . فواراه وانصرف . وكان شعره قد غطَّى على كل شيء منه . وفي ذلك يقول عمرو بن العاص من أبيات : [ من الطويل ]
إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه
ولم يعص قلبا غاويا حيث يمّما
قضى وطرا منه يسيرا وأصبحت
إذا ذكرت أمثاله تملأ الفما
« 666 » - قال ابن الكلبي : كان عامر بن الظَّرب العدواني يدفع بالناس في الحجّ .
فحجّ ملك من ملوك حمير ، فرآه فقال : لا أترك هذا المعدّيّ حتى أذلَّه وأفسد عليه أمره . فلما رجع الملك إلى بلده وصدر الناس ، أرسل إليه الملك : إني أحبّ أن تزورني ، فأحبوك وأكرمك وأتّخذك خلَّا وصديقا . فأتاه قومه فقالوا : تغدو ويغدو معك قومك فيصيبون من جنبك ويتّجهون بجاهك . فخرج وأخرج معه نفرا من قومه . فلما قدم بلاد الملك تكشّف له رأيه وأبصر سوء ما صنع بنفسه . فجمع إليه أصحابه فقال : ألا ترون أنّ الهوى يقظان والرأي نائم ؟ وهو أوّل من قاله ، فمن هناك يغلب الهوى الرّأي ومن لم يغلب الهوى بالرّأي ندم ؛ عجلت حين عجلتم ، ولن أعود بعد أعجل برأي ؛ إنّا قد تورّطنا في بلاد هذا الملك ، فلا تسبقوني بريث أمر أقيم عليه ولا بعجلة رأي أخف معه ، دعوني وحيلتي ، فإنّ رأيي لي ولكم .
فلما قدم على الملك ضرب عليه قبّة وأكرمه وأكرم أصحابه ، فقالوا : قد أكرمنا كما ترى ، وبعد هذا ما هو خير منه . فقال : لا تعجلوا ، فإنّ لكلّ آكل طعاما ، ولكلّ راع مرعى ، ولكلّ مراح مريحا ، وتحت الرّغوة الصريح . وهو أوّل من قاله . فمضوا أياما ، ثم بعث إليه الملك : إني قد رأيت أن أجعلك الناظر في أمور قومي ، وقد رضيت عقلك ، وأتفرّغ أنا لما أريد ، فما رأيك ؟ قال : أيها الملك ، ما أحسب أنّ رغبتك في قربي بلغت أن تخلع لي ملكك ؛ وقد تفضّلت إذ
هامش
« 666 » مجمع الأمثال 1 : 297 .