تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
صرعه ، ولا ينازعه قبل انتهائه وإدباره شيء إلَّا قهره ؛ وإنما يحتال له قبل هيجه ، ويتوثّق منه قبل حركته ، ويتقدّم في حسم أسبابه ، وفي قطع حباله ، فإذا تمكن واستفحل وأذكى ناره واشتعل ، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة ، ومن أعوانه سمعا وطاعة ، فلو أسعطَّه بالتوراة وأوجرته بالإنجيل ، ولددته « 1 » بالزّبور ، وأفرغت على رأسه القرآن إفراغا ، وأتيته بآدم عليه السلام شفيعا ، لما قصّر دون أقصى قوّته ، ولتمنّى أن يعار أصناف قدرته . وقد جاء في الأثر : إنّ أقرب ما يكون العبد من غضب ربّه إذا غضب . وقال قتادة : ليس يسكَّن غضب العبد إلَّا ذكره غضب الرّب . فلا تقف - حفظك اللَّه - بعد مضيّك في عتابي التماسا للعفو عني ، ولا تقصّر عن إفراطك من طريق الرحمة لي ، ولكن قف وقفة من يتّهم الغضب على عقله ، والسلطان على دينه ، ويعلم أنّ للعقل خصوما ، وللكرم أعداء ؛ وتمسّك إمساك من لا يبرّىء نفسه من الهوى ، ولا يبرئ الهوى من الخطأ ، ولا تنكر لنفسك أن تزلّ ، ولعقلك أن يهفو ، فقد زلّ آدم عليه السلام « 2 » وهفا ، وغرّه عدوّه ، وخدعه خصمه ، وعيب باخلاف عزمه ، وسكون قلبه إلى خلاف ثقته ؛ هذا وقد خلقه اللَّه بيده وأسكنه في دار أمنه « 3 » ، وأسجد له ملائكته ، ورفع فوق العالمين درجته . فلست أسألك إلَّا ريثما تسكن نفسك ، ويرتدّ إليك ذهنك ، وترى الحلم وما يجلب من السلامة وطيب الأحدوثة . إنّ اللَّه ليعلم ، وكفى به عليما ، وليشهد وكفى به شهيدا ، وكفى بجزاء من يعلمه ما لا يعلم جزاء وتعرضا ، وكفى به عند اللَّه بعدا ومقتا . لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي ، وكنت عند نفسي في عداد الموتى وفي حيّز الهلكى . فرأيت أنّ من الخيانة لك ، ومن اللؤم في معاملتك ، أن أفديك بنفس
شرح
« 1 » أسعط ، واوجر ، ولدّ : كلها أنواع من المداواة . « 2 » م ر : صلَّى اللَّه عليه . « 3 » ر : في داره .
التذكرة الحمدونية — صفحة 386 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس