تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
735 - وكتب إلى صديق له : قد عرفت ، أيها الأخ ، الدّهر وتبدّله ، والزّمان وتنقّله ، وأنه غير ملتزم لوتيرة ، ولا مبرم الفتل على مريرة ، بينا هو مقبل حتى يعرض ، ومنبسط حتى ينقبض ، ومعط حتى يحرم ، ومعاف حتى يسقم ، وعادل حتى يظلم ، وبان حتى يهدم ؛ الغدر سجيّته ودأبه ، والفتك بغيته وطلابه . فالعاقل غير ساكن إلى حبائه ، والحازم غير واثق بوفائه . لا يجد الإنسان عليه ظهيرا ، ولا من نوائبه نصيرا ، إلا أخا ادّخره في رخائه لشدّته ، وذا ودّ اعتقده بأصالة رأيه لفاقته ، فعساه أن يلطف لإزالة بلواه ، إذا غاض صبره على سكون من النّفس إليه ، وأمان من الشماتة بما يقف من حاله عليه . فكثيرا ما خرج الأحرار بأحزانهم مستروحين بنفثها ، وباحوا بأشجانهم بائحين ببثها ، إلى مستبشر بما لحقهم ، وإن كتم استبشاره وحزنه ، ومبتهج بما طرقهم وإن ستر ابتهاجه وشجنه ، وما أحسن وصية المتنبي ، سقى اللَّه صداه ، في قوله : [ من البسيط ]
لا تشك يوما إلى خلق فتشمته شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
فليس بقليل الحظَّ من ظفر بخلّ أمن سرّه وجهره ، وعلم خيره وشرّه ، وطعم حلوه ومرّه . وما زلت على مرّ الليالي والأزمان ، أنتقي الأخلَّاء والإخوان لأضيف إليك آخر أعضدك ونفسي باختصاصه ، ويشدّ عضدك ويدي باستخلاصه ، حتى طلع في السنين المتطاولة ، وبعد ليّ الأيام المماطلة ، في أفق المودّة والإخاء ، وسماء المخيلة والرّخاء ، السيّد أبو فلان ، وألفيته متخلَّصا من شوائب القتام ، موفيا في رضاع سخيله على بدر التمام . فأوّلت رؤيته « 1 » أمرا مقبلا وسللت على عنق الأيام منه منصلا ، وما زالت الخبرة توفي على الخبر ، والتجربة تزيد في حسن الأثر ، إلى أن استحكمت قواعد الوداد ، وضربت الثقة
شرح
« 1 » ر : رونقه .
التذكرة الحمدونية — صفحة 372 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس