تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
ونواهيه ، واستحلّ ما حرّم اللَّه تعالى من أهليه ، سفكا للدماء المحقونة ، وهتكا للمحارم المصونة ، وفتكا بالنفوس المحرّمة ، ونهكا للأموال المجتمعة ، سيفا يحصد شوكته ، وحقّا يقصم شرّته ، وخوفا يشرّد طمأنينته ، وأصاره في الآجلة إلى نار تلظَّى ، لا يصلاها إلا الأشقى ، الذي كذّب وتولَّى . ثم وعد غير الراضي بفعله ، والجاري في مذاهبه وسبله ، جزاء الأسف والنّدامة ، وردّاه برداء الخزي يوم القيامة ، قال اللَّه تعالى : * ( ومَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه ، وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * ( آل عمران : 85 ) ، وقال : * ( ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّه ما تَوَلَّى ونُصْلِه جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيراً ) * ( النساء : 115 ) . وخبّر نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلم بصورة المؤمنين وصفة المتّقين ، فقال تعالى : * ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِالله والْيَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ الله ورَسُولَه ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْه ) * ( المجادلة : 22 ) . فحقّ لمن عقّ في اللَّه أباه ، وهجر في مرضاته زوجه وأخاه ، وقطع في طاعته رحمه ، وحادّ في ذاته عشيرته ولحمه ، أن يلحقه بعباده الذين ارتضى فعلهم ، وشكر سعيهم وعملهم ، وأعدّ الجنّة ثوابا لهم ، إذ كان ما يتكلَّفه من هذه الحال التي تأباها الطَّباع ، وتنفر منها القلوب والأسماع ، مبالغة في القربة إلى ربّه ، وحرصا على تحصيل ثوابه وأجره . ومنها : وإنّا لما وجدنا أبانا - هداه اللَّه إلى الهدى وعدل به إلى السبيل المثلى - قد استمرّ على مزلقة مردية ، ومدرجة مودية ، مع تخلَّق العمر ، ونزول الأمر ، ومشارفة حلول القبر ، رأينا له الكفّ عن غربه أصلح ، والتخفيف عن ذنبه أربح ، وقصره عن استزادة السيّئات أكمل في برّه ، وحصره عن الاستكثار من الموبقات أفضل في شكره ، فقبضنا يده المبسوطة بالشّرّ ، وكففنا سهامه المبثوثة بالضّرّ ، وأخفناه على نفسه خيفة تردعه ، وتلجمه وتزعه ، عسى اللَّه أن يهديه لرشده ، ويردّه إلى سواء قصده ، فيطفو من غمرته ، ويصحو من سكرته ، ويرجع إلى ربّه رجوع المضطر ، وينزع نزوع الذي مسّه الضّرّ ، ومعه بقيّة من