وبعد تناء تدانيا ، وبعد تعاد « 1 » تصافيا وحبّا ، وأعقب افتراقا من المتشاحنين اعترافا ، واختلافا ائتلافا ، وتدابرا تناصرا ، وتخاذلا تظاهرا ، نظرا لخلقه وعائدة عليهم ، واعتمادا لما فيه مصالح آخرتهم ودنياهم ، ومدح الصّلح وحدا عليه ، وحمد السلم إذا جنح الخصم إليه ، فقال عزّ من قائل : * ( والصُّلْحُ خَيْرٌ ) * ( النساء : 128 ) وقال : * ( وإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها ) * ( الأنفال : 61 ) وألَّف بين القلوب في سبيله ، ولأمها في نصرة رسوله ، وقال : * ( هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِه وبِالْمُؤْمِنِينَ ، وأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولكِنَّ الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ، إِنَّه عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) * ( الأنفال : 62 - 63 ) وصان المسلمين - عند الفتح العامّ للبلد الحرام ، وإظهار الإسلام على الدّين كلَّه ، والإدالة من الكفر وأهله - عمّا يلحق من في دارهم من مسلم أو مسلمة - غمرتها الجملة وأخفت من موضعها الشبهة - من مضرّة ، وسمّاها للمسلمين معرّة ، وجعلها واصلة إليهم إذا وصلت إلى أولئك منهم ، فقال جلّ ذكره : * ( ولَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) * ( الفتح : 25 ) فحماهم من يسير الإثم ، وإن كان ساقطا بعد العلم ؛ واختار لهم الخلوص من الشّوائب في الدّين ، وجعل هذه الخلال الرضيّة والخصال الحميدة لهم أدبا ، ولمصالحهم سببا ، فندبهم لها ، وأرشدهم إلى سوابق نعمه ، ونفائس قسمه ، التي بدأ بها قبل الاستيجاب ، وأوجب على شكرها حسن الثّواب ، حمدا يرتفع إليه ، ويزكو لديه ، ويمضي ما فرض في تحميده ، ويوجب ما يأذن به من مزيده ، وصلَّى اللَّه على محمد عبده وأمينه على وحيه ، وخيرته من خلقه ، والمبعوث لإحياء دينه ونصرة حقّه ، وعلى الطيبين من آله وسلَّم تسليما .
700 - وفي مثل ذلك . . . الحمد للَّه مقلَّب القلوب وعالم الغيوب ، الجاعل بعد عسر يسرا ، وبعد عداوة ودادا « 2 » ، وبعد تحارب اجتماعا ، وبعد تباين
شرح
« 1 » م : كدر .
« 2 » م ر : ودّا .