تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التذكرة الحمدونية — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
جمع اللَّه فيها شعب الخير وأنواع البرّ ومناقب الفضل ، وجعلها واصلة بالإسلام سببا إلى كلّ هدى وفضيلة ، واختيارا لكلّ سعادة وكرامة ، في عاجل وآجل ، مع ما توكَّل به من حفظها ومنعها ، والذبّ عن حرمتها ، والنصر لمن جاهد عليها ، والإعلاء لمن أوجبها له من ولاة الحقّ وأنصار الدّين ، والإظهار لهم على من خالفهم ونكَّب عن سبيلهم ، وأراد المفارقة لحقّهم ، إلى ما كان أعدّ لحزبها وأوليائها الذين نصرهم اللَّه وأحلَّهم - بما لزموا منها وحدبوا عليها من التمسّك بها - في رضوان اللَّه والنعيم المقيم لا تغيير له ولا انقطاع ولا زوال ، عطاء من ربك غير مجذوذ . وجعل المعصية شقاء وخسارا وتبارا ، وسببا لكل نقص وذلّ وهوان وحسرة ، فمن اعتصم بها ، وأقام عليها ، ودعا إليها ، كان من إخوانها والغواة فيها ، مع ما يريهم اللَّه في عاجل أمرهم : من إدحاض حجّتهم ، وسوء مصارعهم ، وقطع مددهم ، وتفريق نظامهم ، وإزهاق باطلهم ، وإظهار أهل الطاعة عليهم ، وإمكانه منهم في كلّ مجمع يجمع اللَّه منهم جماعة ، إلى ما أعدّ اللَّه لهم من أليم العقاب ، وسوء الحساب ، وشديد العذاب ، لا يفتر عنهم ، ولا هم فيه مبلسون . فمن أراد اللَّه إسعاده وتوفيقه وتبصيره حظَّه لزم الطاعة وعرف حقّها ، وما جعل اللَّه فيها من السعة والعصمة والمخرج ، وآثرها وواظب عليها ، وكان من أهلها ، وأدّى الحقّ الذي أوجبه اللَّه عليه لوليّها إليه ، فأحرز بذلك نفسه ، وسلَّم به دينه ، واستكمل به أفضل ما يرغب به من ثواب ربّه ، ولم يكن متخوفا للغير في دنياه ، متوقّعا للنّقم ، متوكَّفا للقوارع أحلَّت بأهل المعصية والخلاف والمفارقة للحقّ وأهله ، وكان من ذلك في أمن ونجاة وسلامة وعافية . ومن أراد اللَّه به غير ذلك ، لما يعلم من ضميره ودفينه ، تخلَّى منه ، وأسلمه إلى قرينه وما يسوّل له من غروره ، ويمنّيه من أباطيله ، فاستشعروا ركوبها ودخلوا مع الغواة فيها ، ودعوا إليها ، فكانوا خائفين ، ولائذين مترقبين للدوائر التي يخافون أن تحلّ بهم ، وتأتي عليهم . فإنّ اللَّه تعالى يقول : * ( ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ الله إِنَّ
التذكرة الحمدونية — صفحة 320 | ابن حمدون / احسان عبّاس و بكر عبّاس