وأهل صفوته ، وبعث به إليهم نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، وسمّاهم المسلمين ، وهو الذي شرع لساكني سماواته من ملائكته ، ولأهل الأرض من أنبيائه ، ثم بعثهم به فقال :
* ( شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِه نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِه إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ) * ( الشورى : 13 ) إلى آخر الآية . فبلَّغ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم رسالات ربّه ونصح لأمّته ، ومضى لأمره ، وجاهد على حقّه من خالفه وعاداه وابتغى سبيلا غير سبيله ، ثم آمن به وصدّقه وعزّزه ونصره ، واتّبع النور الذي أنزل معه ، وهم يومئذ قليل مستضعفون في الأرض ، يخافون أن يتخطَّفهم الناس كما وصفهم اللَّه تبارك وتعالى في كتابه ، أمرا رضيه لنفسه ونبيّه ، ابتعثه له حتى أتمّ اللَّه الإسلام وكمّله وفضّله وجعله دينه ، وأعلم حقّه من شاء من عباده وخلقه ، وبيّن لهم أنّه إلههم وربّهم ، أمرهم بطاعته ، والاعتصام بحبله ، والتمسّك بعهده ، ثم توكَّل لهم بالحفظ والدّفع والنصر والقهر ، والظهور على من خالفهم ، وابتغى غير سبيلهم ، ما حفظوا أمره ، وتمسّكوا بطاعته ، ووفوا بعهده ، واللَّه وليّ الإسلام ، والناصر له على عدوّه ، ووليّ إعزازه وإظهاره على الدّين كلَّه ولو كره المشركون ، قضاء منه بتّا لا مردّ له ، وموعدا لا خلف له ، وسنّة ماضية في الذين خلوا من قبل * ( ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلًا ) * * ( الأحزاب : 62 ، الفتح :
23 ) . فإنّ اللَّه بعهده ونعمته لم يزل يصنع لهذا الدّين ، ويغلب له بالفئة القليلة من أهله الفئة الكثيرة من عدوّه ، قضاء منه أوجبه على نفسه ، لم يجعل فيه مثنويّة ، تصغي إليه أفئدة أهل الرّيبة والشّكّ في أمره ، ولكن حتمه على نفسه ، وأوجبه لهم في كتابه ، وأعلمهم فيه معالم طاعته ومسالك معصيته ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، وإنّ اللَّه لسميع عليم . فدين اللَّه الذي خصّ به أولياءه أوّلهم وآخرهم ، تامّ على ما بعث به نبيّه صلَّى اللَّه عليه وسلم ، فإنّ اللَّه ختم به الأنبياء ، وقفّى به الرسل ، وجعل أمّته خير أمّة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، وجعل اللَّه نظام الدّين الذي اختاره لنفسه ، وشرعه لمن أكرم من خلقه ، فارتضى لتنزيل وحيه من ملائكته ، وتبليغ رسالاته من أنبيائه ، إلى عباده . وقوامه وعصمته الطاعة التي
التذكرة الحمدونية — صفحة 319
مساهمون: ابن حمدون
ص٣١٩